لماذا وإلى أين ؟

أين حراس “الأخلاق”؟

يعود نقاش الحجاب، بل وخلع الحجاب، من جديد، وذلك بعد نشر الفنانة المصرية، صابرين، صورة لها عبر صفحتها في موقع تويتر بلا حجاب، ومنذ لحظة النشر في السابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، تعرضت صابرين إلى موجة انتقادات، وقد ردّت على المهاجمين: “لم أكن محجبة، منذ عام 2010، بل كنت محتشمة”.

في مقابلة مع الإعلامي المصري عمرو أديب، أشارت صابرين إلى التأثير النفسي السلبي للتعليقات المسيئة التي وصلتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تقول وتبكي، وتتساءل: “لم أقدّم سوى الأعمال المحترمة. ما ذنب أولادي كي يُشتموا أيضاً من قبل أشخاص لا دين لهم ولا أخلاق؟”.

وأضافت إلى أنها “تكره الخروج من المنزل” لتفادي الإساأت المستمرّة بحقها، وتتابع: “عندما أدفن في قبري، لن يحاسب أحد معي”، مؤكدة على حريتها الشخصية في أي قرار تتخذه.

وهذا ما أريد أن أتحدث عنه، الحرية الشخصية، قرارات الفرد بأن يختار ما يشاء، وفي حديثنا عن المظهر الخارجي، الملابس، والحجاب أيضاً، أن تختار المرأة أن تلبسه أو تخلعه، وفقاً لقراراتها، فهذا ليس من شأن أحد.
صابرين، ومن قبلها فنانات ونساء أخريات، لم يسلمن من الهجوم والتجريح على إثر قرارهن العلني بخلع الحجاب، والتركيز على علني، وخاصة في فضاأت السوشيال ميديا، هي خطوات جريئة، تعرف المرأة، سواء كانت فنانة أو لم تكن، بأنها ستكون عرضة لهجوم عنيف، من رجال ونساء أيضاً، يعيشون ضحايا عقليات ومنظومات ذكورية، ترى من جهة بأن قرارات المرأة إزاء حياتها، وخاصة جسدها، هو شأن عام، هذا أولاً.

وثانياً، ترى هذه العقليات بأن هنالك أشكال ما من الملابس والمظهر الخارجي، تدل على “عفة” و”طهارة” و”أخلاق” المرأة، وأي امرأة لا تمشي وفقاً لكودات والمعايير هذه، فهي بالضرورة “غير طاهرة”، و”غير عفيفة” و”بلا أخلاق”… وفي هذا التنصيف، يقع الحجاب أيضاً، ومن تقرر أن تخلعه، ستتعرض لهجوم من كل شخص يشعر بأنه وصي عليها ء حتى لو كان يعيش في قارة أخرى عنها ء، فقط لأنه يشعر “بمسؤولية الدفاع عن أخلاق الدين”، أي ما يعتقد بأنها “الأخلاق”، والتي تصب في أحيانٍ كثيرة بمنظومة قمع النساء.

بالتالي، هنالك عوامل عديدة بإمكاننا الحديث عنها بما يتعلّق بقضية صابرين، أو أي امرأة أخرى، وخلع الحجاب، بداية هي مسألة حريات شخصية، والتي تلغيها منظومات الذكورية بكافة تجسدياتها، في العائلة والمجتمع، والفضاأت العامّة، وسلطات سياسية وتشريعية ودينية، وما إلى ذلك. هذه المنظومات، التي تقمع أيضاً، في كثير من الأحيان، حريات الرجل الشخصية، بالطبع في درجات متفاوتة ومختلفة تماماً عن المرأة، وفي أحيانٍ كثيرة، يرتبط القمع في مستويات طبقية واقتصادية، وفقدان السلطة، إلخ.

بمعنى، ضمن هذه المنظومات، لا مساحة للمرأة في أن تقرر بشأن حياتها، فكم أحرى عندما تقرر بشأن مسألة “حساسة” مثل الحجاب؟ خاصة من يربط الحجاب “بأخلاق” المرأة. وللأسف، “فمن المتوقع” أن يكون رد فعله عنيفاً على كل من تقرر أن “تخرج من هذه الدائرة”، لأسبابها الخاصة، والتي لا من شأن أحد أن يتداولها ويتساءل عنها.

بمعنى، ارتداء الحجاب أو خلعه، هو مسألة شخصية، والتدخل بها هو مسّ بالخصوصية، من هذا التدخل، هو أيضاً أسئلة الإعلاميين لفنانات اللاتي خلعن الحجاب: “لماذا خلعتيه؟”، وبرأيي، إن أفضل إجابة على مثل هذه الأسئلة، ستكون: “هذا ليس من شأنك”.

ما “يهز” عرش الذكورية أيضاً في سياق خلع فنانات معروفات للحجاب، مثل صابرين، ومن قبلها حلا شيحة وعبير صبري وغيرهن، هو كونهن معروفات ومشهورات، ويؤثرن على شريحة كبيرة من الفتيات والنساء، في مصر وخارجها.

بمعنى، إن قرار الفنانات الشخصي هذا، له تداعيات على نساء أخريات، وعلنية الموقف، بإمكانه أن يكون بمثابة تشجيع لفتيات أخريات بأن يقمن بمثل هذه الخطوة، المتجسدة بخلع الحجاب. أي، علنية الموقف، هي أيضاً خلق مساحة أمان لنساء أخريات بأن تخطو هذه الخطوة، وأن لا تشعر بأنها لوحدها، وبالتأكيد، هذا يهز عرش ذكورية من يرى بالحجاب وسيلة سيطرة أيضاً على النساء.

الأمر الآخر الذي أود التطرق له، في سياق خلع نساء للحجاب، وما يتعرضن له من موجات هجوم شرسة، تمسهن وتمسّ عائلاتهن أيضاً، هو سؤال الأخلاق. هذا السؤال الذي “يشغل بال” أعداد هائلة في العالم العربي. وفي تعرفيهم للأخلاق، هو كل ما يتعلق بالمرأة طبعاً، بحياتها، جسدها، شعرها، مهنتها، علاقاتها العاطفية، فرجها، وزنها، شكل أنفها، وما إلى ذلك من تفاصيل خاصة وحميمية وتخصنا نحن وحدنا، لكن ضمن ما نعيش فيه، فهذا كله يخص “المجتمع كاملاً”.

تعريف “الأخلاق” هذا، هو ليس جريمة يومية بحق النساء، تُمارس بأشكال متنوعة، هو أيضاً “الطريق الأسهل” في مجتمعات أبوية وذكورية، لتجاهل ماهية الأخلاق الحقيقية وللتخلّص من مسؤوليتها تجاه واقع يُظلم الإنسان فيه كل يوم، آلاف الأطفال تعيش تحت خط الفقر، عائلات تُهجّر من بيوتها، بشر يُقتلون ويُعتقلون… أين أخلاقنا من كل هذا؟

وأين مراقبو وحراس “الأخلاق والدين”، من ذكوريين يرسلون تعليقات عنيفة لنساء لأنهن خلعن الحجاب؟ أو يهاجمونهن في الشوارع؟ يشتمون أطفالهم ووالديهم؟ هل هذه “الأخلاق” بإمكانها أن تحمي النساء من العنف الممارس عليهن؟ بأن تجعل النساء تمشي بأمان في الفضاأت العامّة بلا خوف؟ أم أن معايير “الأخلاق” هي تلك التي تصبّ فقط في قمع النساء؟

لربما أجوبة عن معظم أسئلتي هذه، هي للأسف، متشائمة بعض الشيء. لكن، لدي قناعة ما، بأن كل هذا العنف الذي يظهر عندما تعلن امرأة بجرأة قيامها بأي قرار شخصي، من شأنه أن “يهز عرش الذكورية”، هو لأن هنالك ما يتغيّر على أرض الواقع، وأن نضال النساء، النسويات والنسويين، يثمر نتائج مهمّة كل يوم. وهذا هو الأمل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد