لماذا وإلى أين ؟

العاشقة.. ذات الضفيرتين


Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 212

Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 213

فوزية لهلال

ذكرياتي مع النشيد الوطني، تعود إلى مدرسة القدس الابتدائية.

هي ذي أنا.. أسابق الدّقائق للحاق بالصَّف، قبل بداية الروتين الصباحي لتحية العلم، وحتى لا تطالني عصا المدير.

العَلَم.. قِبْلَتُنا الصَّباحيَّة.. ننظر إليه في خشوع وهو يرتفع، كُلّما علَتِ الأصواتُ بالنَّشيد.. صلاة “عَلىَ الرّيِقْ” مهداة للوطن، نؤدِّيها أحيانا في خشوعِ صنَمي مُرغمين، تحت وطأة عصا سمَّيْناها تمويها “مسعودة”.. تُقَوِّمُ كُلَّ مُنْشَقٍّ عن الصفوف.

في هذا الابتهال الصباحي نرفع عقيرتنا صراخا ونحنُ ننشد:

بِالرُّوحِ.. بِالجَسَدِ

هبَّ فَتاَكْ.. لبَّى نِداَك

وكُلٌّ مِنَّا يتخيّل نفسه ذلك الفتى الَّذي يحاربُ طواحينَ الهواء.. ملبيا نداء الأرض.

كنتُ أُحِسُّ بالدِّماء تفورُ في جسدي الصّغير حتَّى تتعبني، وتضيقُ بها أوْرِدَتي وأنا أُنْشِدُ في إخلاص في فَمي وفي دمي.. هَوَاكَ ثاَر.. نورٌ وَنارْ

فأتخيَّلُني تنِّينا منبطحا على طولِ الخريطة، يُحوِّلُهُ العِشْقُ إلى ماردٍ ناريٍّ باطشٍ بكلِّ من سوّلت له نفسه التحرُّشَ بخَطٍّ من خطوط الطُّولِ أوِ العرض. كان يحلو لي أحيانا مغادرة أحلامي التنِّينيَّة، والتحديق في صديقتي ذات الضفيرتين، وقد علَتِ الحمرةُ وجنتيها وكأنها على موعد حب، عيناها مغمضتين، وفمها مفتوحٌ عن آخره، في إنشادٍ أقربُ إلى الصُّراخ، وصوْتٍ أتذكَّرُ كم كانَ مُزْعِجاً.. واثقا رغم نشازِهِ!

قُبْحُ صوتِ ذاتِ الضفيرتين، كان يستنهضُ هِمَّتي لأستحضر كلَّ طبقاتي الصَّوتيَّة، وأمحو نشازاً.. بنشازٍ، وأنا أنظر إليها تُمارس عشقها الوطني في كثير اندماج، لا يوقظني من تأمُّلاتي إلا “مسعودة” تهوي على ذراعي، مذَكِّرةً إيّاي بوجوب النظر إلى العلم، ولا وجهَ إِلاَّه!

أين حَمَلَكِ ذلك العشق الصَّباحي يا صديقة الطفولة؟

وفي أيِّ ركنٍ من الكرة الأرضيَّة.. أنتِ؟

ألا زلتِ تُغْمِضين عَيْنيْكِ وأنتِ تردِّدين النَّشيد الوطني، ودماؤكِ تغلي حتىَّ تفيضَ بها وجنتَيْكِ.. أنَّ موتكِ للوطنِ حياة.. ودِمائكِ له فداء؟

لا زلتُ أذْكُرُكِ حين ينتهي الَّنشيد.. أستقبلُكِ وكأنَّكِ عائدةً من حُلْمٍ.. ومن حرب! تنظرين إليَّ في خجلٍ أقربُ إلى الاعتذار.. أكيد أنَّكِ كنْتِ تُدركينَ حجمَ الشّرْخِ الّذي يُحْدِثُهُ صوتُكِ النَّشاز بداخلي!

يستعيد وجهك بياضه تدريجيا، ولا تبقى غير حمرة خفيفة تُزَيِّنُ وجنتيكِ.. صامتة لا تتكلمين.. كأنَّ النَّشيد لم ينتهِ بعدُ بداخلك.. وكأنَّ حلم البطولة والذَّوذَ عن الأرض لا زال يسكنُكِ.. فتصومين للحظة عنِ الكلام…

كنتِ جميلةً في حلمك يا ذات الضفيرتين!

ضاع منِّي اسمك وسط زحام الحياة والوجوه، ولم تسقط ملامحك الصَّادقة من ذاكرتي، وأنتِ تتغنَّيْنَ حُبّاً في العلمِ الأحمر.. فهل كان الوطنُ لكِ مُنْصِفاً؟ أم أنَّهُ لم يُنصف غير الدارسين في البعثات الأجنبيَّة، الَّذين لم يشربوا حبه نشيدا على الريق.. كنا نغنيه كجنودٍ في ساحة حرب.. وعيوننا على “الرَّاية”.. تخفق.. فتخفق معها قلوبنا البريئة.

الراية التي لا يجوز لها الوقوع.. ولا الانبطاح إلا على جثتنا.. هكذا كنتِ تشرحين لي يا ابنة الجنديِّ الغائبِ أبداً.

لعلَّ عشقك الصباحي لم يكن مكرَّساً للعَلَمِ وحده، وكان يُخالطُهُ الكثيرُ من الحنين لأبٍ في زيٍّ عسكريٍّ، يحمل نفس الراية التي تتغنين بها عشقا كل صباح، في صورةٍ هي أوَّلُ ما يُطالِعُني حين أزوركِ.

الراية التي لا تفترشُ غير السَّماء!

حين كبرتُ.. لم أتمنىَّ يوماً لقائكِ…

هناك أشخاص حين يسكنون الذاكرة.. لا يصلحون إلَّا لعمر، وأنتِ كنتِ مُحنَّطةً في ذاكرتي.. وقد توقف زمنكِ في حدودِ ضفيرتيكِ!

تذكَّرتُكِ في الثَّانوي.. والأستاذ يشرح لنا في إسهابٍ وَيُحصي ثروات البلاد، ومخزون الأرض من ومن…، واحتياطها من ومن ….، وحين تنتهي حصَّة العدَّ تلك، ألتقيه في محطّة الحافلة، يحتمي بكراريسنا من لفحِ الشَّمس…….

فأينَ الثَّروة؟

أعود إلى البيت فأجدُ أُمِّي تنشد سمفونية غلاء السَّمك، في بلاد “جُوجْ بْحُورا”.. يطالعني وجهك ساعتها وأنتِ تنشدين بملءِ فيكِ.. ووجنتيكِ.. وضفيرتيكِ: بالرُّوحِ.. بالجَسَدِ، وكأنَّكِ تصرخين في وجه الأستاذِ وأمّي، فأُخْرِسُ صوتك النَّشاز بداخلي، لأبحث عن جوابٍ لسؤالي:

أين الثّروة؟

رأيتُ والدكِ بعد ذلك في وجه كلِّ جنديٍّ متقاعدٍ براتبٍ هزيل، وصورة ببذلة عسكريَّة إلى جانب الرّاية تزيِّنُ صالون البيت.

أينكِ يا جُزءً من ذاكرتي.. وماذا فعل عِشْقُ الرَّاية فيكِ?

في الجامعة بحثتُ عنكِ في وجوه المُجازين العاطلين، والدكاترة المعتصمين بشهاداتهم أمام قبة البرلمان.. رأيتُ “مسعودة” تكَسِّرُ عظامهم رغم أنَّهم لم ينْشقُّوا عن الصّف، وقد صار لها أخوات، ولم تعد وحيدة المدير..

كنتُ أراكِ ساعتها تُنشدين: إخوتي هيَّا.. للعُلاَ سَعْيا، فيرُدُّ عليكِ صوت العربي باطما بداخلي: فين غادي بيَّا خويا.. فين غادي بِيَّا..

هل خَفَتَ صوتُكِ غِناءً، وأنتِ تَرَيْنَ الوطنَ يلفظُ أكثرَ من تغنَّى بحبِّه ?!

أجيبي بربِّكِ يا ذات الضفيرتين?!

فلا زلتُ كُلَّما سمعتُ النَّشيد، أضعُ يدي على قلبي.. أصوم خشوعا عن الكلام.. وأحلُمكِ تغنِّين في غير نشاز.. وطنا يسعُ الجميع!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

    Mustapha
    02/02/2020
    21:39
    التعليق :

    Excellent récit, Bravo! cela me rappelle ce que j’ai vécu à l’école primaire à Tagzirt en 1981. Ce que je ne comprends pas c’est la mention écrite en rouge à la fin de l’article. .

    2
    0
    مراد
    04/02/2020
    14:23
    التعليق :

    مقال راااءع عاد بي إلى تسعينيات القرن الماضي ونحن صغارا نؤدي تحية العلم،السرد ممتع جدا، من الأقلام الجميلة التي عثرت عليها

    2
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد