لماذا وإلى أين ؟

عالم ما وراء.. الغول !!

فوزية الهلال

“أجمل ما في الفقر أنه لا يجلب لك أصدقاء المصلحة..”

قرأت هذا البوست في صفحة أحد الأصدقاء واستفزني مطلعه: “أجمل ما في الفقر..”

وهل في الفقر ملمح جمال؟!

يهيأ لي أحيانا أن الذين يُجَمِّلونَ هذا القبيح، المشوه القسمات لم يعاشروه.. ولم يعايشوه.. نوع من التضامن المجاني الذي لا يحيط بالقضية.. أو المدفوع ثمنه لتغييب الوعي وتوارث هذا الذميم!

يُزَيِّنونَ القاع.. الزحام.. القهر، وانحصار رسالتك في الحياة ونجاحاتك على رغيف ورداء!

يقلبون المفاهيم.. فتصبح الطيبة والشرف سمة الفقراء.. والقناعة كنز لا يفنى! وأكثر أهل الجنة من الفقراء!

كان يجب أن تسوق لنا هاته المبادئ منذ نعومة أظفارنا حتى لا نطرح السؤال.. ولنعرف حجم النعمة التي كنا نرفل فيها ونتمنى دوامها.. نعمة دونها الجنة!

هاته “النعمة ” المسمومة، كانت تتجسد في خيالي غولا يُكَشِّرُ عن أنيابه.. غير عابئ بلحم طفولتنا الطري.. إنه نفس الغول بطل السلسلة التي تحكيها لنا الجدات قبل النوم.. الغول الباطش.. الشرير.. ذو القوى الخارقة.. المستعصي على الموت والفناء!

يهيأ لي الآن أنهم اختصوا أطفال الفقراء بحكايات الغول الكاتمة للأنفاس، والتي لم تكن تزرع بداخلي غير الخوف.. والتوتر.. وعقاب المتمردين عن المألوف.. الطامحين لعالم ما وراء الغول!

وأنه في الأحياء الغنية المجاورة، كانت سندريلا وأميرها الوسيم.. يزوران أحلام الأطفال هناك على متن عربتهما الأسطورية!

حظوظ !! (سخرية)

الأرزاق موزعة سلفا.. والحسد حرام! (سخرية)

مموه للحقيقة من يسبغ على الفقر ثوب الجمال!

صورة الأب الذي “يأكل” العمل كل يومه من أجل “لقمة حلال”.. دفع فيها أضعاف ثمنها، يعود وعينه على المسجد.. خلوة روحانية تعينه على الاستمرار.. وعلى الابتسامة في وجه أطفاله..وعلى الحلم بالجنة حيث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!

كل أموال الدنيا وسخ.. وسخ.. وسخ!

أتذكر أعمدة النور التي ليس لها نصيب من اسمها.. فجلها مكسور في الحواري والأزقة.. والأحياء يلفها الظلام.. أو ذلك الضوء الباهت، الخافت.. الذي تتراقص حوله الأطياف.. وحكايات الرعب!

النور ترف قد يفتح أعيننا على حقائق يشفقون علينا منها!

فمرحبا بالظلام في مجتمع القاع!!

وأما حين يتزوج الفقر بالجهل ،فأهلا بأخلاق الزحام!

يصير الكلام.. صراخا!

واختلاف وجهات النظر.. اشتباكا!

والتلصص عبر النوافذ المغلقة.. هواية!

والعنف.. شجاعة!

والتحرش.. رجولة!

فنعطيهم بذلك غطاء شرعيا لزيادة عزلنا.. وتكسير المزيد من أعمدة النور!

أهلا بقصص تحكى في الفصول الدراسية في تواطؤ مريب مع موجة الإخضاع.. وحني الرؤوس كقصة الفلاح الفقير الذي جلس يوما ليحلم ببيع جرة السمن، وشراء نعجة حامل ستلد له نعاجا.. تتحول في أعوام إلى قطيع أغنام.. ثم أبقار.. ثم إبل.. فأراض زراعية.. فبيت واسع.. ومن ثم الزواج بامرأة جميلة.. تلد الولد..ثم.. في لحظة اندماج، يهم الفلاح الحالم بتأديب ولده بعصاه.. فتصيب العصا الجرة لتكسرها وتكسر معها حلمه.. ويسقط السمن –في إهانة-على رأسه وثيابه!

انتهت الحكاية!

أراهن أن حكاية كهاته لن تحكى أبدا لأطفال المغرب الآخر!

واستوعبنا المغزى.. لقد تجرأ الفلاح على الحلم والتخطيط.. هذا الفقير المهترئ،فانتهى حلمه بفشل و..إهانة!

هذا .الطَّموُح. كم كنت معجبة به!

حتى حين ضحك الأطفال من حولي من غبائه، ضحكت انتصارا لقدرته على الحلم بعالم ما وراء الغول!

كانت لنا حكاياتنا.. ومدارسنا.. ومناهجنا.. ووظائفنا!

كل شيء مرسوم لنا سلفا.. لا يجب أن نخرج عنه أو نتعداه!

نتوارث الحارة أبا عن جد.. ونتعلم كيف نعشقها، تماما كما أوصانا الآباء!

نفس الوظائف والأعمال والمشاكل.. والمساجد التي تبشر الصابرين!

والقناعة حكمة تتوارثها الأجيال.. وتتناصح بها في إخلاص!

لِمَ لَمْ نكن نتناصح بالطموح وكسر القيد.. ومعانقة القمة حيث الهواء أنقى والمساحة أوسع؟

لِمَ لَمْ ننتصر لطموح الراعي.. وقدرته على الحلم والتخطيط؟

لِمَ لَمْ نكمل الحكاية ،ليكون فشل الراعي بداية نحو تحقيق حلمه؟

لماذا استسلمنا للانكسارات ووظائف العبيد.. ولماذا توارثنا أفكارا ومفاهيما كبلتنا.. وجذبتنا كالذباب نحو القاع؟

تحية لكل فقير كسر القاعدة.. وتمرد على قيود أفكار متوارثة.. وتطلع إلى القمة.. ونجح!

تحية لكل من علم أطفاله كيف يحلمون ويحققون.. حتى حين البداية من الصفر!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

    Noureddinedghoghi
    21/02/2020
    19:47
    التعليق :

    برافو عليك… مقال تنويري اتمنى أن يقرأه الجميع..

    2
    0
    سعد
    22/02/2020
    14:58
    التعليق :

    شكرا للكاتبة الجميلة الامازيغية نص رائع جدا كاد الفقر ان يكون كفرا

    2
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد