لماذا وإلى أين ؟

بنيعقوب: هناك سوء فهم للتدبير التشريعي والمعياري لحالة الطوارئ الصحية في بلادنا

قال إدريس بنيعقوب، الباحث في العلوم السياسية بكلية الحقوق اكدال الرباط، إن هناك سوء فهم أو فهم خاطئ للتدبير التشريعي والمعياري لحالة الطوارئ الصحية في بلادنا، شارحا أن “الحكومة حصلت على إذن البرلمان مابين الدورتين وموافقة اللجان النيابية المعنية على المرسوم بقانون المتعلق بسن أحكام الطوارئ، واتخاذ الحكومة لكل الإجراءات والتدابير ولو كانت مخالفة للتشريع الجاري به العمل لإدارة أزمة وباء كورونا. لكن يبقى هذا النص هو إطار عام وقواعد عامة لا تجيز مخالفة الدستور”.

وأشار بنيعقوب، من خلال هذا الحوار مع آشكاين، إلى أن المحاكمة عن بعد، في ظل حالة الحجر الصحي، لا تحمل أي ضمانات للمتهم أولا بعدم التعرض للضغوط وهو في السجن سليب الحرية خصوصا بسبب تهم خطيرة كالاتجار الدولي في المخدرات أو قضايا احتجاجات اجتماعية وغيرها.

بداية كيف تعلقون على ما قرره جهاز العدالة وزارة العدل والسلطة القضائية وادارة السجون بإقرار محاكمات المعتقلين عن بعد باستعمال الأدوات التكنولوجية الحديثة؟

بداية اسمح لي أن أثير نقطة مهمة متعلقة بقانون الطوارئ. من وجهة نظر القانون الدستوري هناك سوء فهم أو فهم خاطئ للتدبير التشريعي والمعياري لحالة الطوارئ الصحية في بلادنا. الحكومة حصلت على إذن البرلمان مابين الدورتين وموافقة اللجان النيابية المعنية على المرسوم بقانون المتعلق بسن أحكام الطوارئ، واتخاذ الحكومة لكل الإجراءات والتدابير ولو كانت مخالفة للتشريع الجاري به العمل لإدارة أزمة وباء كورونا. لكن يبقى هذا النص هو إطار عام وقواعد عامة لا تجيز مخالفة الدستور. بمعنى أنه يمكن للحكومة فعلا اتخاذ التدابير المستعجلة لتدبير الطوارئ لكن شريطة أن ترجع الحكومة للبرلمان في كل إجراء تتخذه يدخل ضمن اختصاص القانون بمعنى اختصاص أصيل للبرلمان بمقتضي المادة 71 من الدستور أو بمقتضى قواعد دستورية أخرى، أي التي لا تدخل ضمن اختصاصات السلطة التنطيمية للسلطة التنفيذية. المرسوم بقانون لأحكام الطوارئ لكي يتمتع بقيمة تشريعية ينبغي أن يصادق عليه البرلمان، والبرلمان ليس من حقه الدستوري أن يتنازل عن اختصاصاته خارج فترة مابين الدورات وبالتالي أي إجراء تتخذه الحكومة في فترة انعقاد البرلمان ينبغي أن تصادق عليه السلطة التشريعية حتى لايصبح تطاولا من الحكومة على اختصاصات البرلمان، تحت طائلة مخالفة الدستور، وعلى البرلمان ألا يبقى مكتوف الأيدي وأن يخرج من السلبية إلى ممارسة التمثيلية الحقيقية ودوره الرقابي على سلطات الطوارئ.

وفي هذا الإطار تدخل مسألة تقييد حرية الصحافة الذي أقرته الحكومة بواسطة وزارة الداخلية، هذا الإجراء غير مفهومة دواعيه الصحية. بما أن قرار وزارة الداخلية استثنى عددا من الأشخاص من الحركة مابعد الخامسة مساء من بينهم الإعلام العمومي، لا يمكننا أن نجد تفسيرا لاقصاء الصحافة الخاصة اللهم إلا إذا أنه ارتجالي ونابع من مزاجية أو من نظرة ترى في الصحفي كائنا مزعجا لبعض سلطات الطوارئ. حرية الصحافة من الحريات الدستورية والكونية الأساسية تشتغل حتى في الحروب، وأي اقصاء لها إنما هو مخالف للدستور وإقصاء سياسي للشهود ولسلطة رقابة المجتمع على السلطات العمومية.

لكن هناك رأي يقول أنه بما أن البرلمان أعطى الإذن للحكومة لاتخاذ تدابير الطوارئ فإنه اوتوماتيكيا قد أجاز كل الإجراءات ولو كانت من اختصاصاته؟

هناك فرق بين الإذن للحكومة بإعلان حالة الطوارئ واتخاذ إجراءات تدبيرها بين الدورات وبين التدابير التي تتخذها السلطة الحكومية اثناء انعقاد البرلمان. البرلمان قائم وغير منحل وهناك مساطر التشريع السريع ولا يمكن إجازة اختصاص للحكومة لا يسمح به الدستور. الدستور أسمى من القانون وعليه فإنه لا ينبغي التحجج بحالة الطوارئ لإلغاء الدستور أو قواعد ذات قيمة دستورية. في فرنسا التي تعتبر مرجعية قانونية ونظرية للمنظومة القانونية المغربية، فإن حالة الطوارئ أو قانون الإذن la loi d’habilitation لا يعتبر شيكا على بياض للحكومة، بل الحكومة مطالبة بإحالة كل القرارات والمراسم المهمة les ordonnances على البرلمان للمصادقة عليها، في إطار احترام الدستور والاختصاصات الدستورية. مناسبة هذا الحديث هو محاولة السلطة التنفيذية تمرير تعديل واقعي لقانون المسطرة الجنائية ولقواعد دستورية متعلقة بالمحاكمات، بواسطة دورية أو منشور. فهل يجوز أن نعدل قواعد كونية للمحاكمة بدون اللجوء إلى ممثلي الأمة؟

مع ذلك يرى عدد من المعلقين أن المحاكمة عن بعد باستعمال التكنولوجيا الحديثة حل مناسب للتصدي لتفشي وباء كورونا وحماية صحة جميع الأطراف، أليس هذا مبررا موضوعيا مقنعا وكافيا؟

شخصيا لست ضد هذا الإجراء شريطة أن يحترم مصدر الاختصاص في إقراره، بمعنى نحن لسنا أمام التعليق على جدية وجدوي المحاكمة عن بعد، ولكن نحن إزاء شرعية الإجراء ومشروعية القرار أي مشروعية السند القانوني لاتخاذه.

فهي اذا تم إقرارها بدون برلمان فستكون مخالفة للدستور ولقانون المسطرة الجنائية التي يعود الاختصاص فيها إلى البرلمان بصريح منطوق المادة 71 من الدستور إضافة إلى ضمانات المحاكمة العادلة في المادة 117 وما يليها من الدستور. المحاكمة عن بعد في شكلها الذي طرح للعلن لا تحمل أي ضمانات للمتهم أولا بعدم التعرض للضغوط وهو في السجن سليب الحرية خصوصا بسبب تهم خطيرة كالاتجار الدولي في المخدرات أو قضايا احتجاجات اجتماعية وغيرها. أمام المحكمة يتمتع المتهم بنوع من الحرية وضمانات التعبير الحر. أيضا كيف يمكن للقاضي أن يكون قناعته الخاصة وهو يشاهد وجوه الأطراف اثناء النقاش والاسئلة والمواجهات؟ في نظري لا يمكن أن أتصور مثل هذه المحاكمات، أو في الملفات المعروضة على التحقيق مثل جرائم الأموال، أو في الملفات الكبرى والجرائم الشائكة بما تتطلبه من علانية واستماع للشهود وحضور للدفاع وطرح أسئلة ومناقشة الأدلة ومواجهة الأطراف،وغير ذلك من الإجراءات التي تتطلب حضور هؤلاء الأطراف جميعا. في فرنسا المجلس الدستوري في أحد قرارته أعتبرها غير دستورية، باعتبار أن الحضور الجسدي هو نفسه ضمانة لمحاكمة عادلة واشترط عند إقرارها موافقة المتهم الصريحة. لذلك فإنه ورغم صعوبة الظرف لا ينبغي التسرع نحو حلول تدمر قيم دولة الحق والقانون وتخرق القاعدة الدستورية، وتشكل قنابل موقوتة بعد الأزمة قد تثير زوابع حقوقية مستقبلا ليس فقط على المستوى الوطني وإنما أيضا على مستوى دولي بوجود متهمين يحملون جنسيات أجنبية.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد