لماذا وإلى أين ؟

أسئلة تجديد بناء الدولة المغربية مابعد كورونا

زلزال كورونا لايشك أحد في قوته وفي الرجة العاصفة التي أحدثها، ليس فقط على مستوى الاقتصاد والموارد المالية والحركة التجارية وطنيا ودوليا، وإنما أيضا على مستوى بنيات الدولة والمجتمع أيضا.

الدولة كبناء اجتماعي وكتنظيم مؤسساتي، تعرضت لاختبار كشف فيروسات أخرى، وشقوق متعددة بعضها قابل للإصلاح وبعضها يقتضي هدم بعض الأعمدة وإعادة بناءها. فالدولة تشبه المنازل، بحاجة إلى إعادة تهيئة وصيانة من حين لآخر، خصوصا بعد المرور من كوارث طبيعية أو بشرية، فتحتاج حينها إجباريا إلى عملية ترميم إو إعادة بناء أجزاء منها تضررت. طبعا العملية تحتاج إلى مهندسين مهرة، يعرفون كيف يجب إغلاق نوافذ ضيقة لكن مزعجة وحابسة للتنفس من هنا، وفتح أخرى أكبر من هناك مطلة على فضاءات أرحب وأجمل وأنقى، كيف يهدمون هذا الجدار لأنه دون جدوى، وكيف يدعمون آخر مهم، وكيف يدعمون البناء بأعمدة جديدة أو هدم أخرى مهترئة قديمة جدا، وكيف يمكن تزيين الواجهة الخارجية للبيت، وأيضا جمالية البيت من الداخل، يعرفون أين يتعين وضع المراحض والحمامات وأيضا المطابخ وغيرها.
يعرفون أيضا كيف ينجزون تصاميم البناء بناء على معرفة وعلم، حتى لا يبنون لنا جدرا وغرفا أو بيتا عشوائيا، تعصف ببعض أركانه أول أزمة مقبلة.

ما أريد أن أقول أن بناء الدول وتجديد بناءها هو معرفة إنسانية، بناء ينبغي أن ينشأ عن دراية وتبصر وليس عن عناد ومزاجية. عيبنا أننا كثيرا ما بنينا بناءات تنموية دون معرفة، بناءات عشوائية في أرض خلاء، فما فتئت أن سقطت أو تشققت بفعل مطبات الحياة.

زمن كورونا أظهر اختلالات كثيرة في إدارة الدولة، منها ما هو طبيعي تعرضت له كل الدول من نقص في الموارد وارتباك في بعض القرارات وتعثر لأمور مالية واقتصادية، وضغط صحي وتعليمي وغيرها من الأمور المظطربة في ظل الأزمات.

لكن هناك اختلالات مخيفة كانت مندسة، كشفت عنها كورونا عندنا، مرتبطة بجوهر وجود الدولة، بعقيدتها ونظرتها للإنسان، بمدى إيمانها بالمؤسسات وبقيم التشاور والتشارك، بمدى سلامة تدبيرها للوساطة السياسية والمدنية والمجتمعية.

بعض هذه الاختلالات، أحاول طرحها في افتراضات اشكالية، أبلورها في أسئلة مباشرة، طبعا لا أملك الإجابة عنها والقدرة على ذلك ولا يملك أي فرد القدرة على مقاربتها لوحده، وإنما تحتاج إلى نقاش عمومي وطني ممنهج وصريح.

الظرف كشف عن جوانب مظلمة في إدارة الدولة، تشتغل خارج منطق التراكم الوطني، بل ربما خارج منطق تاربخ الدولة وخارج زمنها التنموي البشري، خصوصا في الجانب الحقوقي. كما أن الظرف أظهر أيضا أماكن مضيئة وآمنة ومتفهمة للمرحلة بشكل دقيق، ويتجسد هذا الضوء كما يلاحظ الجميع، في الحكامة الأمنية، وتشبع الأمني بضرورة الدمقرطة الداخلية وأيضا الخارجية في التواصل مع المواطن، بالاحتكام إلى القانون والمساطر والقواعد الحقوقية، هذا من جهة الدولة. أما من جهة المجتمع فقد كشف الظرف عن إيمان المغاربة القوي بوطنهم وبقيم العيش المشترك والمصير المشترك، وبقيم التضامن والتلاحم، وكلها قيم أصيلة لأمة عريقة ليست وليدة اللحظة عبورا عنها تعبيرا راقيا نبيلا.

لذلك أهم سؤال في نظري، والذي يعد المدخل الرئيسي لأي أسئلة عن عملية إصلاح وتقييم حقيقي للدولة خلال اختبار حالة الطوارئ الصحية أثناء كورونا، هو حول مدى نجاح وتجسيد “المفهوم الجديد للسلطة”. فالأزمات هي المحك الحقيقي لمدى صدق النوايا المعبر عنها في الفترات العادية بين البشر وأيضا بين الأمم.

هل فعلا تم تجسيد هذا المفهوم الذي أعلنه الملك محمد السادس أكتوبر من سنة 1999 مباشرة بعد أسابيع من اعتلائه عرش المملكة؟ ما هي حجم المسافة بيننا وبين سلوكات السلطة حاليا وبين زمن البصري زمن قدسية السلطة وأولويتها على الإنسان؟ هل تأثر مفهوم ممارسة السلطة حاليا بتراكم العهد الجديد في الجانب الحقوقي والقانوني والانفتاح التواصلي، منذ مصادقة الملك والدولة على تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة؟

هل سبب التشنج وسوء الفهم الكبير جدا بين السلطة ورجالها وبين المجتمع مرده لتفسير القانون، أم هو أبعد من ذلك إلى وجود رغبة فئوية لإعادة المجتمع تحت السيطرة بعد خروجه منها كرها سنة 2011، أم هي كراهية نفسية تاريخية تحتاج إلى مواكبة ومصالحة؟

من ينتج من، هل ينتج القانون السلطة ويؤطرها أم هي التي تنتج القانون وتفسره كما تشاء عندما تشاء؟

السؤال الثاني مرتبط بشعار القضاء في خدمة المواطن. شعار تبناه العهد الجديد وجاء مواكبا للمفهوم الجديد للسلطة، ويصبان في نفس الهدف ألا وهو حماية حقوق وحريات المواطن والاحتكام إلى القانون ولا شيء غير القانون.
شعار يمس تجربة استقلالية القضاء والنيابة العامة عن الجهاز التنفيذي الحكومي وتحديدا عن وزارة العدل.

هل استقلت فعليا النيابة العامة عن السلطة التنفيذية أم هو استقلال عضوي على مستوى البنيات والتسلسل الرئاسي لوزارة العدل وتحول إلى تبعية من نوع آخر لجهة أخرى؟ هل تستطيع النيابة العامة تحريك وتكييف القرار القضائي في وجه تجاوزات السلطة كما تفعل مع المواطنين البسطاء العاديين؟ لماذا لم تتحرك النيابة العامة أمام الكم الهائل للأخبار و الوثائق السمعية البصرية والوشايات والتظلمات الموثقة، وصرخات الجمعيات، ضد ادعاءات بالتعسف والتعنيف والإذلال والاحتقار ضد مواطنين وصحفيين من قبل السلطة، أم أنها تنتظر ايداع شكايات من المتضررين، مع العلم أن المتضرر هو المجتمع الذي تدافع عنه نظريا وعن الصورة الحقوقية للدولة، رغم أنها تحركت في قضايا كثيرة بمجرد رواج صورة أو فيديو أو ظهور عنف هنا أو هناك صادر عن مواطنين، علما أن القانون يعطيها اختصاص تعقب الشبهات الجرمية بمجرد التوفر على وشاية أو الاطلاع عليها عن طريق خبر منشور في جريدة أو في شبكات التواصل الاجتماعي، لأنها نظريا تدافع عن المجتمع؟

هل هناك توازن أو على الأقل تكافؤ في المبادرات للمساهمة في القرار العمومي في ظل الأزمة؟ ألم يجسد عمل البرلمان تبعية مطلقة للحكومة في ظل جائحة كورونا، ولم تعط له الفرصة لتقديم أي اقتراح لمبادرات تشريعية أو تعديلية، مكتفيا باستهلاك نقاش عام تنفيسي وغير تقريري، قبل الموافقة على المبادرات الحكومية كما هي، بل وأنه حرم في البداية حتى من ممارسة أبسط حقوق التمثيلية بالتصويت على المبادرات؟

كيف يمكننا إعادة النظر في هذه “السلبية البرلمانية” المفرطة وفي التبعية القاتلة للحكومة، والتي رسخت فكرة أن البرلمان مجرد غرفة تسجيل لمبادرات الحكومة ولا يملك هوية مؤسساتية نيابية مستقلة؟

لماذا نستمر في إضعاف الأحزاب السياسية ونقطع عنها جميع طرق الفعل السياسي العمومي، وأولها التشارك العملي مع الحكومة لتدبير الأزمة، ثم من خلال إغلاق الإعلام العمومي في وجهها لنقاش أفكار سياسية وحزبية بالابتعاد عن ترويج فكرة أن الأحزاب ليس لديها ما تقدمه وأنها أحزاب ريع، مما يزيد من قتل السياسة والحزبية وبالتالي تخفيض المشاركة في فضاء الدولة وإضعاف الإيمان بها أكثر؟ أليست الأزمات فرصة أمام انتعاش السياسة الحقيقية وأمام تحاذب أفكار السياسات العامة؟

هل اقتنعت الدولة بخطورة الفساد والمفسدين، الذين حولوا مسار الثروة من طريقها المفترض نحو التنمية ونحو مستحقوها من أبناء الشعب إلى جيوبهم، فظهر العجز والضعف والفقر بشكل لم نره من قبل، وبذلك يجب الشروع في محاربتهم وإرجاع الثروة المسروقة؟

هل نتوفر على مجتمع مدني قوي له إمكانات مواجهة الأزمات، أم اكتشفنا أننا أمام مصالح بعضها تابعة للسلطة وأخرى فئوية أو سياسية، ليست لها أي مقومات فعل اجتماعي بدون رعاية دائمة، وبالتالي غاب الجسر المدني بين المواطن وبين الدولة؟

هل لدينا إعلام عمومي صلب، قادر على خلق نقاش عمومي جدي ومسؤول عن الظرفية وما بعد الظرفية، كمنتدى وطني لتجميع المقترحات وتوحيد النقاش وتوجيهه نحو الأولويات؟ هل يستطيع هذا الإعلام خلق رأي عام مغربي موحد ومتمكن من الفهم والتفسير الصحيح لما وقع ولما يقع؟

هل كنا نملك سياسة خارجية أم مجرد إدارة لعلاقات مع دول بشكل متغير وبدون استراتيجية عميقة محددة الأهداف والثوابت؟ كيف يمكننا بلورة عقيدة سياسة خارجية دقيقة المفاهيم فيما يتعلق بالصديق والحليف والعدو والمنافس والخصم، مع تحديد الخريطة الصحيحة لمصالح المغرب وأيضا للمخاطر التي قد تكون في مواقع جغرافية كنا نعتبرها “شقيقة”؟

هناك أسئلة متنوعة قطاعية وموضوعاتية، هذه فقط عينة صغيرة منها، قد تكون مفيدة للبحث والدراسة أو النقاش والتفاعل، أو قد تثير حس السؤال من جديد لدى كل من يهمه أمرها.

* باحث في العلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال بالرباط.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد