لماذا وإلى أين ؟

أدب الفلسفة و آفاق المصالحة في رواية عبد الرحمن و البحر

د. محمد الصباني.

لقد توغل سلطان الفلسفة في النظر توغلا ألغى كل اعتبار للخبر باعتباره محلا لا علاقة له بطرق الاستدلال المعروفة، وموضعا لا صلة له بسبل الاستشكال المألوفة، لأن للنظر الفلسفي روافد لا يرى إلا بها، و قواعد لا يتعقل إلا بها، حتى إذا ظهر نظرٌ غيرُ نظرِه في الاستدلال سارع إلى الحكم بتَهافُتِه، وإذا برز عقلٌ غيرُ عقلِه في الاستشكال سابق إلى القضاء بتَفاهـتِه.

لكن ما غاب عنه هو إمكانية أن يختزن ما حكم عليه، من طاقات النظر، فوق ما يختزنه، وإمكانية أن يكتنز ما قضى عليه، من إتاحات العقل، فوق ما يكتنزه. وهذا يعني أن الفلسفة بقدر ما ادعته من تأسيس للمقولات الكلية والمعايير العامة بقدر ما كانت في حقيقتها تعبر عن مقولات جزئية و معايير خاصة، وذلك لوثيق ارتباطها بالفضاء الذي أنتجها، ولعميق اتصالها بالتداول الذي أفرزها، ذلك بأن الفلسفة لم تكن إلا صورة عن الوضعية الاجتماعية القائمة، داخل صيغة عقلية صارمة قد تحمل بذور قيام وضعيات نقيضة لما تصوره، لكنها تبقى وفية دائما للوضع الاجتماعي و المؤسسي الذي ولّدها.

ففلسفة أفلاطون و مدينته الفاضلة لم تكونا إلا انعكاسا لطبيعة المدينة اليونانية التي سعت هذه الفلسفة إلى تسويغها مساغا عقليا داخل قوالب من المقولات و التصورات و التصديقات. وإذا قدِمنا إلى العصر الحديث وجدنا الأمر مِثلا بمِثل، ففلسفة (ماركوز) لم تكن هي الأخرى إلا تعبيرا عن وضعية الانهيار التي عاشها الإنسان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية سطوة التقنية و الآلة.

وهكذا نجد أن الفلسفة لم تتخلص من جزئيتها الاجتماعية و خصوصيتها التداولية بالرغم من ادعائها الكلية و العمومية، هذا زيادة على ما فيها من صرامة و تجريد قد يؤديان بها إلى خلاف المقصود منها، فغرقت في بحر من الأسئلة القاصدة و غير القاصدة حتى أصبح همها في إنتاج السؤال لا في إتقان الجواب، وبذلك أمست الأسئلة عندها أنجعَ من الأجوبة، و على فرض وجود الجواب فليس إلا محطة استراحة أو أرضية لسؤال جديد يتناسل و يتوالد، و لعل هذا ما دفع (كارل ياسبريس) إلى القول بأن الأسئلة في الفلسفة أهم من الجواب، و كل جواب يتحول إلى سؤال جديد.

أمام هذه السديمية الغامضة و النسقية المتنطعة، كان لا بد من تطعيمٍ لهذه الفلسفة كي يتسنى لها تحديد الاتجاه و تسديد المنهج ومن ثمة قطف الثمرات، خاصة و أن أغلب أسئلتها يتعلق بالإنسان والوجود والزمان والمكان والميتافيزيقيا وعلاقات كل تلك العناصر ببعضها.

إن العجيب في الأمر هو أن كل الموضوعات السالفة التي تعاملت معها الفلسفة بواسطة السؤال، هي نفسها الموضوعات الموجودة في الأدب الذي لا تعترف الفلسفة بطرقه الاستدلالية ولا تأتلف مع سبله الاستشكالية، ليقينها بانعدام عقله حيث تملكه، ولإيمانها بقوة خياله حيث تستغني عنه، و هكذا غاب عنها أن ” الحسيات معابر إلى العقليات ” على حد قول (أبي حيان التوحيدي) في المقابسة العشرين من مقابساته، كما غبر عنها أن في الأدب طاقة ترتقي بالعقل الفلسفي إلى إدراك جواهر المعاني و حقائقها، بحيث إنه يفتح آفاقا في معرفة الوجود، و يخترق مسالك مُبكِّراً إلى اكتشاف مجاهيل الموجود.

لقد كان الأدب دائما سعيا يقتفي أثر المجهول، وأبطاله كائناتٌ سائلةٌ تتأبى على الحواجز الجامدة، و تثور على القوالب الجاهزة، ولما كان العقل الفلسفي أداةً صلبة تمنعه صلابته التجولَ في الكثير من المضايق، و آلةً صلدة تدفع عنه صلادته اقتحام العديد من المغالق، كان لا بد من الاستعانة بالأدب في تقويم الفلسفة، ذلك بأنه قادر على توسيع العقل و تمرين النسق لِمَا في الفعل الأدبي من إمكانيات تجدد الفعل الفلسفي، لكونه يمتاز بالمبادرة إلى سَبْر العوالم غير المألوفة، وينماز بالمباكرة إلى رَوْز الممرات غير المعروفة، حتى إذا اجتمع العقل الفلسفي و الحس الأدبي، كان الجمال و وُجِد الكمال.

وحينئذٍ يكون الحس الشعري الذي هو أرقى مراتب الأدب، بمثابة الحُلَل و المَعارِض للعقل الفلسفي الذي هو أعلى مراتب النسق.
و يجب ألا يُفهم من هذا أن الحس الشعري لا عقلَ فيه، ذلك بأن عقله عقل رابط، و اللغة دلّت على ذلك في أحد معانيها المتعلقة بمادة(عقل)، إذ نقول: عقَل الناقة بمعنى ربطها، و بذلك يكون العقل الشعري عقلا موصولا بالحس و الحواس ظاهرِها وباطنِها، ففي السمع عقل، وفي البصر عقل، وفي اللمس عقل، وفي القلب عقل، و هكذا. و القرآن الكريم بيّـن هذا و مثاله قول الله تعالى:(أ فَلَمْ يَسيروا في الأرض فتكونَ لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور).الحج/44.

و إذا ثبت أن للحس الأدبي عقولا عديدة و للنسق الفلسفي عقلا واحدا هو العقل الصلب، لزم معه التسليم بقوة الحس الأدبي مقارنة بالنسق الفلسفي، إذ العقول الكثيرة تغلب العقل الواحد، و لعل هذا ما حدا ب(نيتشه) إلى الإلحاح على عودة الفلسفة إلى أحضان المشاعر و العواطف في كتابه “ميلاد التراجيديا” من خلال مداخل الفن و الجمال، حيث جعل من الموسيقى حساً جدد به مفهوم التراجيديا الفلسفي، متجاوزا سلبيته و تشاؤميته، إلى مفهوم متعالٍ حالمٍ يتحدى الموت و يعشق الحياة.

و مثل هذه التجربة عاشها(هيدجر) ولكنه استلهم من شعر(هولدرلين) ما يخفف به صرامة النسق و تنطع العقلانية الفلسفية، التي تحولت بحكم غُلُوِها في بناء القواعد إلى سجن للإنسان الذي وجد في الحس الشعري وسيلته إلى الانعتاق و العودة بالشخصية إلى الحرية التي تميزها، إذ انطلاقة الشعر تكمن عند حدود العقل الفلسفي.

داخل هذا السياق تأتي رواية ” عبد الرحمن و البحر” للدكتور(خالد حاجي) مساهِمةً في ترسيخ أدب الفلسفة من خلال صدورها عن رؤية فلسفية عميقة بثت نفَسَها داخل الأحداث و الأشخاص و الأفضية، و نشرت مدَدَها في السرد و الحكي و الوصف، و من خلال تلك الرؤية أعادت صياغة المشكلات، و تتبعت مُحَرِكاتِ السلوك و التصرفات، كما استشكلت عدة مفهومات، منها إشكالية المدينة و قضية العمران، و البداوة و الحضارة، و منها إشكالية صراع الحداثة مع التراث و محاولة تقويم حركتهما في التاريخ و فرضية التصالح بينهما و استشراف المستقبل.

هذا بالإضافة إلى قيمة البعد التعبدي و الروحي عند الإنسان في مواجهة القوارع و الآفات، و إشكالية الفن و غياب الذوق، وإعادة صياغة الهُوية و الجهل بالعالم، زيادة على صراع الأجيال و مشكلة الظلم و العجز، وتكلُّس الحس الشعري.

تلكم إشكالات لو صاغها صاحبها في القالب الفلسفي لجاءت عبارة عن بناء متطاول لا يزيدنا التنطع فيه إلا محدودية و ضيقا، و لهذا آثر الكاتب أن يتوسل بالصياغة الأدبية للمقولات السابقة بغية الخروج بنا من مغاليق الفلسفة إلى مفاتيح الأدب، ومن مضايق البرهان إلى شساعة البيان.

إن أول ما قام به الروائي للتخفيف من حدة النسق، هو تَسْحِيرُ العالم، من خلال تحريك الحس الشعري لدى الأبطال بناءً، و لدى القارئ صياغة، فأعاد الحياة إلى مشاهد الجمال، وأبرز الكمال في شواهد الجلال، وبالجملة، أعاد للعالم سِحْرَه، وأثار في الإنسان اندهاشه، فكأني به يريد أن يصل بنا إلى درجة الإحساس بمعنى قول ” سبحان الله ” حينما نرى منظرا يسحرنا، لئلا نغفل عن وجداننا فنأفـل من وجودنا، و كما يقال ” من غفل أفل “.
وهكذا يتبدّى لنا كيف تسنى لعقل الحس الشعري أن يفكنا من صلابة العقل الفلسفي ذي الاتجاه الواحد، من خلال عَقْلِنا بالعالم و وَصْلِنا بعناصر الحياة.

لقد عالج الروائي في عمله إشكالية المدينة الحديثة في العالم العربي، مصورا إخفاقها في التوفيق بين البداوة و الحضارة، وبين الفعل الإديولوجي و أثر الإنسان، بالإضافة إلى تصوير هندستها المقززة التي ساهمت في الهدم أكثر منها في البناء، إنها مدينة تبعث على الاشمئزاز و النفور، ولا تُذَكِرُ إلا بغياب الحس الشعري لدى أولئك الوافدين من أوروبا على أرض الهنود الحمر، حيث سارعوا بحكم العقل الفلسفي الذي يحكمهم إلى إعدام التفاعل مع الفضاء الجديد الذي جابههم، فأصبحوا سجناء ذاكرتهم، ولذلك سمَّوْا مُدنهم في عالمهم المُكتَشَف باسم مدنهم في عالمهم الأصيل، ولم يضيفوا إليها إلا سابقة (نيو) أي جديد، من أمثال(نيويورك) أي (يورك الجديدة) التي تحيل على (يورك) القديمة إحدى مقاطعات انجلترا، و منها(نيوجيرسي) و(نيوزيلاندا) وغيرها كثير.

لقد أحس الشاعر الأمريكي(والت ويتمان) بفداحة هذا الأمر، فأشار إلى أن السكان الأصليين من الهنود الحمر كانوا أكثر شاعرية من الوافدين، وأعظم إحساسا منهم بسحر المكان، وإلا لَمَا كانت (نيويورك) عندهم قبل هذا الاسم تُسمّى (بومانوك)، ومعناها عند الهندي الأحمر الأرض التي تأخذ شكل سمكة.

إن الحس الشعري بالعالم هو الذي عَقَل بين الفضاء و السمكة، و يكفي أن تعود إلى قصيدة ” الرحيل من بومانوك ” من ديوان ” أوراق العشب ” لتقف عند هذه الإشارة، ولتدرك بأن السكان الأصليين كانوا أكثر ثقافة من الوافدين الذين كانوا أكثر حضارة. فالنسق مَكّن من بناء الحضارة، لكنه في المقابل أفرغ الإنسان من حس الثقافة.

ولذلك حين كان البطل (عبد الرحمن) يتلمس الخلاص للخروج من مضايق المدينة إلى سعة الطبيعة، صوّر المؤلف من خلاله تخبط الفعل العربي في فضائه بقوله :” لقد صارت هذه الأمة في حكم من يبني سطح بيته بما يهدمه من أساسه”.

ومن الإشكالات التي سلطت الرواية الضوء عليها، إشكال التراث و الحداثة، و إشكال العلاقة بينهما.

لقد حاول الدكتور (خالد حاجي) عقد صلح بينهما، وقدم مشروعه و تفاصيله داخل الأحداث و المشاعر و الشخصيات و المواقف و الأفكار. والحق أن هذا المشروع مشروع جريء، لأن استحضار معطيات الواقع تبرز أن بين التراث و الحداثة وقائع و مواقع، وكل واقعة تزيد الشّرْخ كسرا، كما أن كل موقعة تزيد الرَّقْع وسعا، وذلك بحكم أن أحدهما يسير في اتجاه الشمال و الآخر يسير في اتجاه الجنوب، فأنّى للتوفيق أن يكون؟ وأنى للصلح أن يعقد؟ ففريق منهم يؤمن بالمقدس، و فريق يكفر بكل مقدس، وفريق يعتقد بالمعنى المطلق، وآخر يوقن بالمعنى النسبي المغلق، وهكذا تصطرخ المقولات بينهما إلى درجة الشحناء و البغضاء.

في هذا الخضم تأتي الرواية لتقدم تصورا يرى إمكانية المصالحة، كما صالحت بين الفلسفة و الأدب، و كما زاوجت بين البطل(عبد الرحمن) والبطلة(روزانجيلا)، وكما صالحت بين الإنسان في الرواية و بين العالم.

ويقوم هذا الصلح بالأساس على الحب و العشق و مراجعة الذوات من أجل التقرب من بعضها، فالبطل(عبد الرحمن) لولا مغادرته المغارة و خوضه الغارة و ركوبه المغامرة لَمَا تصالح مع الحياة و الضفة الأخرى، والبطلة(روزانجيلا) لولا مغادرتها شكليات اللباس الرسمي لحرس الحدود وخوضها الغارة وركوبها المغامرة، لما تصالحت مع الحياة و الضفة المقابلة للأولى.

لقد كان بينهما بحر فاصل، لكنه بحر يدل على السيولة بقدر ما يدل على الصلابة، كما أنه ينفتح على المجهول بقدر ما ينفتح على المعلوم.

إن شطآن العشق هي التي جعلت كُلاً من البطل و البطلة يتطلع إلى عالم الآخر، و يتخلص من صرامة النسق لبناء فضاء شعري جديد، لم يكن الأمر سهلا فـ(عبد الرحمن) لم يكن راغبا في الهجرة السرية، ومع ذلك وصل، أما بقية الشبان الحالمين بحداثة الغرب، والملحين على الهجرة مهما كان الثمن، فقد غرقوا جميعُهُم.

لم يكن الأمر سهلا، لكن(عبد الرحمن) كان يتقن السباحة كما كان يتقن التسبيح، في المغارة من قبلُ ثم في العالم من بعد. أما الشباب فلم يكونوا يعرفون شيئا، لا سباحة توصلهم إلى المنشود، و لا تسبيح يرسخهم في الوجود، فغرقوا وهلكوا.

إن غاية(نوفل) أحدِ الشباب الحالمين بالغرب كانت سيارة و آلة تصوير، كانت غاية، ولكنها غاية محصورة و قاصرة، ولذلك لم يصل. أما غاية(عبد الرحمن) فكانت في تَقَصّي روح العالم، ولم تكن متوجهة إلى مطمع في الغرب ولذلك وصل، و حينما وجد نفسه في الفضاء الجديد و في حداثـته، كان لا بد من أن يستثمر مخزونه من التسبيح و السباحة لاكتشاف هذا الفضاء ثم محاورته.

لقد كان (عبد الرحمن) ذا شخصية قوية، خبيرا بمفاتيح الإنسان خبرة مكّنته منها أيام الخلوة قبل الجلوة، ظهر ذلك في مواقفه، في حواراته، في تذوقاته… لقد كان يملك توليفة جعلته يتقن محاورةالضفة الأخرى و يستفيد منها.

في المقابل، كانت(روزانجيلا) ابنة الضفة الأخرى، تملك أيضا توليفة جعلتها تتقن محاورة ضفة (عبد الرحمن) وتستفيد منها بالرغم من حداثة سنها.
لقد رأى الدكتور(خالد حاجي) في التوليفتين سر المصالحة، ولا توليفة واحدة بقادرة على انعقاد الصلح، فإذا مَـدّ طرف يـده إلى الآخر، فلا بد لهذا أن يمـد يـده أيضا، وإذا صفت النفوس وخلصت النيات بدأ التقارب بين الضفتين كما بدأ بين (عبد الرحمن)و(روزانجيلا).

لقد طفِقا يُعَلِمان بعضهما لغتيهما، حتى بدأ لسانه يستعجم قليلا، وبدأ لسانها يستعرب قليلا، فكوَّنا عبارة مشتركة هي :” حب ميت جميل، وحب حي”.
إن الحب الذي وجدته(روزانجيلا) في صندوق (عبد الرحمن)، جعلها تكتشف العمق الإنساني لدى الضفة التي لطالما وَسَمُوها بالجهالة و التكلس، لقد أعاد لها هذا الكشف رشدها التعارفي، بعيدا عن عنصرية أهلها و كراهتهم للغرباء. إنه العمق أو العشق، عشق الشرق الساحر، الذي يجعل الغرب يتطلع إليه موقنا بأن عند الإنسان هناك روحا ما، سرا ما يفتقده في عالمه، ويحتاج إليه لاستجماع كيانه ومواصلة معنى حياته. إنه العشق الذي جعل(غوته) يجمع الشرق و الغرب في ديوان، آملا أن يكون العالم كالديوان.

لقد كانت(روزانجيلا) تُجِلُّ (عبد الرحمن)، وما استئذانها له لفتح صندوقه إلا دليل احترامها لخصوصياته الثقافية، فلم تَسْطُ عليها كما فعل بعض أسلافها و معاصريها، ولم تُحَقِّرْ أو تُشَوِّه، بل حاولت الاكتشاف و التعارف الذي انتهى بالزواج، مثمرا ولدا أصر (عبد الرحمن) على تسميته(نوفل).
إنه (نوفل) الجديد، و ليس(نوفل) القديم الذي وُلِد بين ثقافتين متصارعتين، وكانت طموحاته قاصرة وسطحية فغرق في البحر.

إنه (نوفل) الجديد الذي وُلِد بين ثقافتين متصالحتين، بعيدا عن اختزال الهوية أو تجميدها، و بعيدا عن الغطرسة و الاستكبار.

لقد ألح(عبد الرحمن) على (روزانجيلا) أن يتعاونا على جعل ابنهما يستوعب الثقافتين، وأخذ منها عهدا أن تعينه على توريثه السباحة و التسبيح، و أن تبث فيه هي من حداثة سنها… ” أ تعدينني يا روزانجيلا أن تعينيني على أن أورث نوفل ما علمتني إياه سنوات الخلوة في الجبل و أن تنفخي فيه من حداثة سنك…؟ “. إنه التوريث و البث الذي سيمكنه من مواكبة عالمه، و الجواب على أسئلة زمانه.

و في الختام، لا بد من الإقرار بأنني لم أتطرق لكل قضايا الرواية، و ذلك لطبيعة المقال، على أن نعود بحول الله في مقال آخر إلى ماتبقى إن أسعف الأمر.

كما لابد من الاعتراف بأن المشروع الذي قدمه صاحب الرواية لن يَعدمَ مؤيدين و مصفقين و مشجعين، يحسن عندهم في كثير من الوجوه و يُسيء في بعضها. كما أنه لن يعدم معارضين و مشاكسين و مُنفّرين، يسيء عندهم هذا المشروع في كثير من الوجوه و يحسن في بعضها.

وبذلك ستعيش الرواية بين هذين الفريقين تحديا صعبا، لا يشبهه إلا التحدي الذي عاشه كلٌ من(عبد الرحمن) و(روزانجيلا) للتوفيق بين الضفتين، إنه تحدٍّ تبدو بوادر رِبحه فيما يبثه من بوارق الأمل في إمكانيـة الجمـع بين المفترِقَـيْـنِ و المُتنافـرَيْـنِ، ذلـك بـأن قدرتها(الرواية) على تحقيق قدرٍ من الاتفاق الضمني بين المتخاصمين على وجود وجوه من الحُسن في المشروع و وجود وجوه من القبح لَيفتح الباب للمزيد من السعي لخوض غمار المغامرة و الدخول في مرحلة المخاض.

إنه مخاض الرواية التي ينبغي أن تصابر و ترابط حتى تُعَلِم الاثنين لغة العالم، لعلها تصيب مقصدها كما أصابه بفضلها(سانتياغو) بطل(باولو كويلو) في روايته ” الخيميائي ” حينما كان يبحث عن سر العالم، ولم يُخْفِ أن حب الشرق قد زوّده بطاقةٍ خارقة ليحقق أسطورته الشخصية، لقد خاطب(فاطمة) قائلا : ” كنتُ أحلم في طفولتي أن الصحراء قد تحمل لي ذات يوم أجمل هدية في حياتي، و هاهي الهدية بين يدي، إنها أنتِ “.

إنه نفس اللقاء الذي كان بين(عبد الرحمن) و(روزانجيلا)، لقاءُ القِمم، حيث تتعالى الأرواح و تتسامى الهِمم، لا لقاء السفوح، حيث تتهاوى النفوس و تتعارك النِقم. فبقدر الصعود يكون الائتلاف، و بقدر النزول يكون الاختلاف.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد