لماذا وإلى أين ؟

القرآن الكتاب الذي أطر نقاشات المسلمين واليهود والمسيحيين والمانويين

احميمنة عبد المولى*
انتشرت هذه الأيام مبادرة جميلة جدا على موقع التواصل الاجتماعي ” فايسبوك”، حيث أطلق مجموعة من النشطاء تحديا مثيرا، يقضي بأن يتقاسم كل ناشط قائمة بأهم الكتب التي أثرت في مسيرته، بمعدل كتاب كل يوم ولمدة عشرة أيام، وفي اليوم الاخير، يرفع التحدي في وجه صديق ثان، وهذا في وجه ثالث وهكذا. وقد تخللت هذه العملية نقاشات مهمة في ضوء ما كان يعرض من عناوين.

مبادرة عفوية ومحدودة كهذه، لا شك أنها حققت بعض الأهداف، وساهمت في التشجيع على المطالعة ورفعت من نسبة المقروئية – على الأقل في هذه الظرفية المرتبطة بالحجر الصحي – التي تصل كما هو معلوم إلى مستويات مخجلة للغاية في العالمين العربي والاسلامي مقارنة بالدول الغربية. ولكن لا شك أنها خلفت عديد التساؤلات في خلد البعض، إذ ما هو المعيار أو المعايير التي يمكننا الإستناد عليها للقول بأن كتابا ما أو مجموعة كتب، هي من بين الأفضل مثلا في التاريخ البشري ككل أو الأفضل في ثقافة ما أو في عصر من العصور؟ أهو عدد الطبعات أو عدد النسخ التي بيعت منه(ها)آم عدد اللغات التي ترجم(ت) إليها آم أن قيمته لن تتحدد أو لا يجب أن تتحدد إلا بالأثر الفكري والسياسي والاجتماعي الذي أحدثه في زمانه و في الأزمة اللاحقة ؟ وحتى إذا اشترطنا معايير اخرى أكثر صرامة، فإن ذلك قد يبوئ الكتب المقدسة وكتب السحر والطبخ مراكز الصدارة، وبفارق مهم عن باقي الكتب الآخرى، بما في ذلك الكتب التي تتحدث عن الحقول المعرفية الأكثر دقة وجدوى.

لنفترض مثلا، أن تحديا مماثلا أطلق، لكن هذه المرة بين الثقافات، وطلب منا أن نختار كتابا واحدا يستجيب للمعايير المشار إليها أعلاه، ويكون من بين الأكثر تأثيرا في الثقافة العربية الإسلامية. فماذا سنختار؟ في رأيي لن نجد كتابا أفضل من “القرآن الكريم”. لماذا ؟
لأن هذا الكتاب يعتبر في نظر الكثير من الباحثين في الفلسفة الإسلامية بمثابة: “المنبع الذي تفجر منه الفكر الإسلامي عامة؛ فمن النظر في قوانينه العملية نشأ الفقه، ومن النظر فيه ككتاب يضم الميتافيزيقا نشأ علم الكلام، ومن النظر فيه ككتاب آخروي نشأ الزهد والتصوف والأخلاق، ومن النظر فيه ككتاب للحكم نشأ علم السياسة، ومن النظر فيه كلغة إلهية نشأ فقه اللغة…” . إنه الكتاب الوحيد ربما الذي أجبر الجميع على التفكير فيه، إما معه أو ضده، فقد أحدث قلبا عظيما في منظور الإنسان لذاته وللعالم من حوله.

ولما كان هذا الكتاب على هذه الدرجة من الحضوة والأهمية، فقد كان أول كتاب تنازعه المسلمون، ورغب كل طرف في الاستحواذ عليه والاستئثار به. أما غير المسلمين، فقد كان أول ما وجهوا مدفعيتهم إليه.
فعلى المستوى الداخلي: ومباشرة بعد وفاة الرسول(ص)، اندلع كالنار في الهشيم صراع سياسي بين المسلمين أنصار مهاجرين حول من له الحق في الحكم؟ فعادوا على إثره إلى “القرآن” لعلهم يجدون فيه حلا لمشكلة “الخلافة”، ولما لم يعثروا فيه على “قاعدة شرعية” واضحة تحدد بدقة أصول اختيار الحاكم، اضطروا إلى تأويل آياته لعلهم يظفرون بحل، لكنهم فشلوا في ذلك فشلا ذريعا، إذ لم يستقروا على نظرية سياسية واضحة المعالم، شأن وضوح أحكام التشريع الإسلامي في سائر المجالات الآخرى، فانقسموا تحت طائلة هذا العوز التشريعي إلى فرق ومذاهب يصارع بعضها بعضا على جميع الأصعدة والمستويات، وباستخدام كل الوسائل الممكنة.

أما على المستوى الخارجي: فقد تمكن المسلمون عن طريق الفتوحات الإسلامية من بسط سيطرتهم على منطقة جغرافية واسعة، تمتد من أواسط آسيا وشبه القارة الهندية إلى جبال البرانس في اسبانيا مرورا بشمال افريقيا، ووحدوا الشرق بالغرب وطووا الخلاف بينهما إلى غير رجعة. اصطدم الاسلام في ظل هذا الواقع الجديد بديانات مختلفة، كاليهودية والمسيحية بعض الديانات الهندية والفارسية، وغيرها من الأهواء والملل والنحل. وهي ديانات لم تكن قوية بعدد أتباعها، لكنها كانت محصنة بنتاجها العقلي وباستخدامها للفلسفة، وبقدرة أتباعها الرهيبة على الجدل والمناظرة، بفضل تمرسهم بالمنطق الأرسطي.

أنصار هذه الفرق إذن، حاولوا منذ البداية في صراعهم مع المسلمين، التسلل والنفاذ عبر “القرآن” للطعن في مشروعية العقيدة الإسلامية.

ومن بين أهم التحديات التي حاول اليهود والمسيحيون مثلا، رفعها في وجه المسلمين ما يلي :
● انكار نبوة محمد(ص)، وزعمهم أن الوحي مخصوص ببني إسرائيل دون سواهم، وكانت هذه المسألة أول وأهم نقاط الجدل بين المسلمين وأصحاب الأديان التوحيدية الاخرى.
● انكار اليهود بالخصوص للنسخ، حيث قالوا أن الشريعة لا يمكن أن تكون إلا واحدة، وقد ابتدأت مع بموسى عليه السلام، وتمت به. أما ما كان قبله، وما جاء بعده، فشرائع عقلية من صنع البشر.
● القول بالتشبيه والتجسيم: حيث نزع اليهود والمسيحيون إلى التشبيه والتجسيم، فالإله اليهودي -في المخيال اليهودي- لا يشبه في شيء الله بالمعنى الاسلامي، فهو اله يغضب ويفرح ويسامح ويحقد…كالبشر، فاليهود يسقطون الخواص البشرية على الاله. والمسيحيون، المسيح(ابن الله) عندهم نصف إله ونصف بشر…
● وزعمهم ان القرآن كتاب كأي كتاب في وسع أي انسان تأليف مثله، بدليل أنه مليء بالتناقضات، والاستطرادات والقصص والقفز من موضوع لآخر…فبه مثلا آيات تشبه، وفي الآن نفسه آيات تنزه. وآيات تحكم بأن الانسان “مسير”، وآيات آخرى تقر أنه “مخير”…أليس هذا مؤشرا قويا ودالا على بطلان القول الإلهي؟!!…
حاول الفقهاء في البداية التصدي الى هذه الهجمات ، بالاعتماد على الأدلة النقلية، لكن الخصوم لم يقبلوا بهذه الأدلة وكأني بلسان حالهم يقول: ” هذه بضاعة إسلامية ونحن لا نشتري البضاعة الإسلامية” ، لذلك طالبوا المسلمين بتقديم أدلة آخرى تكون دات صلاحية كونية هي: الأدلة العقلية. ولما عجز الفقهاء عن ذلك، تواروا إلى الخلف، وافسحوا المجال لعلماء الكلام وخاصة المعتزلة الذين ترافعوا عن العقيدة الاسلامية باستعمال الأدلة العقلية – بالانطلاق أساسا من القرآن- التي تمرسوا على الإتيان بها بعد احتكاكهم بالفكر اليوناني، وخاصة بكتب أرسطو المنطقية، التي توفرت لهم بفضل حركة الترجمة. ومن بين المسائل التي حاول علماء الكلام اتباثها أن:
“القرآن عام وخاص، محكم ومتشابه، حلال وحرام، أخبار وقصص، ناسخ ومنسوخ… وكل جزء فيه يصدق الأجزاء الاخرى ويكملها، فأوله كآخره، وظاهره كباطنه…فهو واحد لا تناقض فيه”.
الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون القرآن بهذا الشكل المتناقض وغير النسقي – ظاهريا- بهدف استفزاز الانسان وتوريطه، ودفعه لتجنيد كل قواه، وتحفيزه لشحذ ذهنه للبحث والنظر العقلي والتأمل، لاستنباط وكشف المعاني الثاوية خلف القول الإلهي.
يمكننا أن نقول أنها بيداغوجيا إلهية، بيداغوجيا تستند على التنويع والقفز من موضوع لآخر والاستطراد وغيرها من العمليات الأسلوبية البيانية، لتعليم الانسان وانتشاله من الجهل وتخليصه من آفة التقليد. وللرقي به إلى أعلى مرتبة ممكنة ليحوز الرضى والفضيلة والسعادة.
أما المانويون: فقد كانت مواجهتهم من طرف المسلمين أكثر صعوبة وشراسة، لأنهم وضعوا تحديات من نوع آخر أمام المسلمين، تحديات جعلت القرآن يبدو ككتاب عاجز عن تزويدهم بالمعرفة اللازمة للإجابة عن تساؤلات المؤمنين؛ حيث أنه في الوقت الذي اقتصر فيه المسيحيون واليهود على توجيه انتقادات للقرآن تهم بنيته الداخلية، استدرج المانيون المسلمين إلى نقاش قضايا وإشكالات لم يكن الاسلام يقول عنها شيئا – أو قل إن تلك طبقة آخرى في القرآن لم يكن المسلمون قد وصلوها بعد – قضايا تمثلت في نظر المستشرق الأمريكي “ديمتري غوتاس” في: النظرية الطبيعية والذرات والفراغ والفضاء وغيرها.
حاول علماء الكلام الإسلامي مجاراة المانويين في مثل هذه الموضوعات، فقادهم ذلك لتحقيق هدفين أساسيين:
الأول: الإسراع في ترجمة كتب الطبيعة لأرسطو – بعد ان كانوا قد ترجموا كتبه المنطقية في مرحلة أولى- للاستعانة بها لسد الفراغ ورفع التحديات التي وضعها أمامهم خصومهم المانيون.
الثاني: تطوير مبحث “دقيق الكلام” أو ما أسماه الجابري ب”الفيزياء الكلامية” الذي استعرض فيه المتكلمون الرؤية الإسلامية لفلسفة الطبيعة، حيث الحديث في هذا المبحث يدور حول: الحركة والسكون، والرطوبة واليبوسة، والمادة، والزمان والمكان، والذرة…وغيرها من المفاهيم العلمية المحضة، التي شكلت بحق الهيكل العام لأحد أخصب المباحث التي أسهم فيها المتكلمون الأوائل بأفكار تبدو إلى اليوم متقدمة، مثلا قال “ابراهيم بن سيار النظام” ب”أن الحركة في مضمونها الدقيق إنما تتم بالطفرة وهي ليست مستمرة”، وهذا ما جعل مؤرخ علم الكوانثم البروفسور: “ماكس يامير” يقول في كتابه “فلسفة ميكانيك الكوانثم ” أن النظام كان سباقا إلى القول بالقفزة الكمومية.
إذن الإحراج الذي أوقع المانويون المسلمين فيه، أفزعهم إلى القرآن كما لم يفعلوا من قبل، فعمق المتكلمون معتزلة وأشاعرة فهمهم له، واستخلصوا منه اشارات مهمة بخصوص قضايا: الحركة والذرة والزمان…حيث استطاعوا في مسألة الذرة مثلا أن يتجاوزوا ما قاله اليونانيون والمانويون على حد سواء، وهذا بشهادة الفيلسوف الأمريكي “هاري ولفسون” صاحب كتاب <<فلسفة الكلام>>.
بالإضافة إلى هذا فالمانويون يعتقدون حسب “الشهرستاني” في وجود كائن تنائي الطبيعة، ووجود مبدأين يحكمان العالم هما: مبدأ النور ومبدأ الظلمة، الأول مصدر الخير والنفع والصلاح، والثاني مصدر الشر والفساد والضرر. تفسير المانويين لمسألة الخير والشر على هذا النحو ، فرض على المتكلمين المسلمين، وخاصة المعتزلة ضرورة البحث عن تفسير آخر يتناسب مع خيرية الله وحكمته وعلمه المسبق، ولعل هذا ما يفسر على الأرجح بحثهم في مشكلة الخير والشر وتخصيص أصل من أصولهم لمعالجتها وهو أصل العدل.
ختاما، نود أن نؤكد، أنه قد نتفق أو نختلف في تقديرنا لأهمية القرآن ولتأثيره الفكري ربما والعلمي والفلسفي، لكننا حتما لن نختلف في المكانة التي يحتلها هذا الكتاب في خيال ووجدان الكائن العربي والمسلم، فلما نقول إنه كتاب مؤثر في الثقافة العربية الإسلامية فإننا لا نغفل هذا الاعتبار أيضا. ونحن إذ ندافع عن ذلك، لا يعني أننا ننفي نفيا قاطعا شرف أن تحوز كتب آخرى المكانة التي حازها القرآن أو تقترب منها، فتقديرنا لهذا الأمر يتوقف على الزاوية التي نقرأ منها هذا الكتاب أو ذاك، والكيفية التي نقرأ بها.

*أستاذ فلسفة

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

 

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد