لماذا وإلى أين ؟

أوزين يكتب: ⵜⴰⴳⵍⴷⵉⵜ ⵏ ⵍⵎⵖⵔⵉⴱ

محمد أوزين*

الكثير ربما يتسائل عن معنى هذه “الطلاسم” كما يحلو للبعض، وللأسف، تسمية الحرف الأمازيغي “تيفيناغ”. وهو في الواقع ليس إلا تعبير عن هوية عريقة، وانتماء متجدر، وتاريخ أصيل للأمة الأمازيغية. العنوان أعلاه هو مقابل ل “المملكة المغربية” (تاكُلديت ن لمغريب) بحرف “تيفيناغ”. علما أنه في معجم الأمازيغ لا توجد كلمة مقابل ل “الجمهورية”، ولا لأي نظام سياسي آخر غير “الملكية”، كما كان يردد ذلك “الزايغ” المناضل المحجوبي أحرضان شفاه الله. الأمازيغ يؤمنون فقط ب”تاكُلدانت” (الملكية) وهو الطرح الذي انتصر له التاريخ، باعتبار أن الملكية في المغرب هي صمام الأمان لبلد غني بتنوعه ومتفرد بتعدد روافده.

فقط توخيا للوضوح وإرساء للمبادئ، وجب التنبيه، أنني لست من دعاة الإعتداد المفرط بالذات الأمازيغية بمفهومها العرقي الضيق. وبالمقابل لاأقبل، ولن أقبل، التحرش المجاني على هويتي. لأنني مغربي فتحت عيني على علم أحمر تتوسطه نجمة خماسية. شعرت منذ أول صرخة صبوتي في الجبال الأطلسية، أني أنتمي إلى تربة مغربية. قبيلتي وأهلي وأقاربي من حولي يتحدثون ويشهرون رموز الأمازيغية. فنشأ وترعرع عندي شعور الإنتماء بهذه الهوية التي أعتز بها، كما أعتز   بأبعادها الحضارية، العربية والإسلامية، وبعمقها الأفريقي، وامتدادها الأندلسي والعبري. وهو ما يفسر تفردي كمغربي. فلا غمامة هارون الرشيد عاد إليها خراج أسلافي، ولا سقوط تلمسان أوصل العثمانيين إلى بلد الشرفاء السعديين. وهكذا نسج التاريخ تميزي.

خاطبني أحدهم متهكما في مناضرة حول الهوية، ما بال لسانك لا يحاضرنا بالأمازيغية حتى نرى إن كنت حقا تحمل هم القضية. أجبته: أهو اللسان أم الكيان؟ إن كنت تفضل اللسان، فربما لساني ليس طليق، لكنه سليط في الدفاع عن الأمازيغية. وهو ليس إلا دفاعا عنك وعن تفرد شخصيتك المغربية.

سألني صديق: لم نسمع عن موقف لكم في النقاش الدائر حول مشروع قانون البطاقة الوطنية. والحقيقة، أنني لم أكن لأخوض في نقاش مشروع القانون لولا تساؤل الصديق وإلحاح العديد. ليس تفاديا للنقاش وإنما إحتراما للمؤسسات. كون مشروع القانون لم يناقش بعد داخل القبة التشريعية، وإن ثم إعتماده داخل مجلس السلطة التنفيذية. أما عن موقفنا فكنا أول من طرح الموضوع حتى قبل عرض المشروع على اللجنة.

تابعت النقاش، وأنا الذي أقبل بالإختلاف، إلا أنني حزنت للكلام الجارح، ليس للمشاعر فقط وإنما للإنتماء المشترك. وهنا وجب التوضيح شكلا ومضمونا.

كثيرا هم من عابوا على النقاش العمومي الخوض في موضوع يعتبرونه غير مجدي وغير نافع. معللين طرحهم بانتصاب أولويات أهم من كتابة الأمازيغية في البطاقة الوطنية. وهنا اسمحوا لي أن أناقش الشكل قبل المضمون: لن نختلف على أن من بين مهام البرلمان السهر على ترجمة أحكام الدستور في القوانين. إذا إتفقنا على هذا المبدأ، فسنتفق حتما على أن دستورية القوانين لا تخضع للتفضيل أو التبعيض أو الإنتقاء أو منطق الأولويات. وإلا سنفتح الباب على المزاجية ونعرض للعبث مضامين الوثيقة الدستورية. وعندما أقول المزاجية أعني المعالجة بتغييب القانون والدستور:. وحتى إذا ظن البعض أنه يرجح كفة طرف اليوم، فإنه ينسى أو يتناسى إمكانية تغييب مصالح أطراف أخرى غدا، دائما نتيجة تغييب القانون والإحتكام إلى المزاج. فهل يستقيم هذا الطرح؟ لا أظن ذلك. ولن يقبل هذا عاقل. والعيب الحقيقي هو أن لا يضطلع البرلمان بهذا الدور الرقابي. علما ان الأمازيغية ليست مجرد حروف أو قاموس بل هي نمط حياة. والأمازيغية التي نناضل من أجلها، هي أمازيغية تنتج الشغل، وتصون كرامة المغاربة، وتفتح آفاق التنمية المجالية. و ما حروفها ولغتها إلا مدخلا حتميا لتنزيل هذا الطموح.

و بعيدا عن كل المزايدات، وبكل موضوعية، وجبت الإشارة إلى أن مشروع القانون صيغ بمهنية عالية، وإستحضر كل التفاصيل التي ستجعل من هذه البطاقة وثيقة شاملة من حيث المعلومات المثبتة فيها، وكذلك من حيث الطريقة الميسرة التي ستمكن جميع المواطنين المؤهلين عمريا للحصول عليها، والإستفادة من خدماتها.  فالممارسة أبانت عن نواقص تعتري البطاقة الحالية، جراء عدم استعمالها كبديل للعديد من الوثائق الإدارية من قبيل شهادة السكنى وشهادة الحياة وغيرها. وبناء عليه، سيكون للبطاقة الإلكترونية دور هام في التخفيف من عبىء المساطر الإدارية المتعددة التي أصبحت تشكل ثقلا كبيرا على المواطنين، بفعل البطء والروتين الإداري وتعدد المساطر والمخاطبين الإداريين، بالإضافة إلى التكاليف الزائدة لإنجاز هذه الوثائق.

إذا هي مبادرة تشريعية تستحق كل التنويه على الجهد المبذول. عابها فقط عدم مراعاتها للأحكام الدستورية. وهذا ما وجب تداركه اليوم بكل هدوء وحكمة ووطنية. كونها بطاقة لكل المغاربة، وتعريف لهويتهم المتنوعة. فالمطلب المبدئي كان في الأصل ملاءمة القوانين السابقة وتكييفها مع الأحكام الجديدة للدستور. فإذا بنا نتفاجئ بمشاريع قوانين جديدة تصدر في عهد الدستور الجديد، ولا تلتزم بأحكامه. وهنا شرعية السؤال حول الموقع الإعتباري للأمازيغية في السياسات العمومية. بل وأيضا، وهذا هو الأخطر، جدوى وأثر القوانين المنصوص عليها. علما أنه ومنذ 2011 سجل تردد وارتباك وسلحفاتية في تنزيل الأمازيغية.

فالقانون التنظيمي ظل عالقا ثمان سنوات من 2011 إلى 2019. حيث ثم التأويل الضيق للدستور، ووضع مشروع القانون المتعلق “بالهوية المغربية” في الأنفاس الأخيرة للولاية الحكومية السابقة، نتيجة ترتيبه في ذيل المخطط التشريعي. ليحال على البرلمان عند نهاية الولاية، وبدون أي تشاور لا مع الأحزاب السياسية ولا مع المجتمع المدني. باستثناء فتح منصة إلكترونية للإقتراحات عن بعد في قضية جوهرية مثل قضية الهوية.

وعودة لمشروع القانون الحالي، ورد في توضيح لمصدر أمني عن المديرية العامة للأمن الوطني، وهي بالمناسبة مشكورة على تفاعلها وانفتاحها الدائم على التواصل والتوضيح والبيان، أن: “كتابة الهوية بحرف تيفيناغ مسألة مرتبطة بمعطيات تعريفية مرجعية يجب أن تكتب في الأصل بهذا الحرف، ليتسنى تضمينها وتوثيقها في البطاقة الوطنية”. بمعنى أن هذا التضمين الذي غيبه مشروع القانون “مسألة تقنية بالأساس”. وهنا أطرح سؤالا: هل يستقيم أن يبرر “الإكراه التقني” الخطأ القانوني والدستوري؟ أترك لكم الجواب. والواقع أن مشروع القانون يطرح إشكالا سياسيا وقانونيا وليس مشكلا تقنيا. بتعبير آخر، لا يجب النظر إلى مشروع القانون من النافذة التقنية الضيقة، وإنما من  المظلة الدستورية، إعتبارا أن الدستور موضوع تعاقد المغاربة، ولا يمكن المس بهذا التعاقد تحت أي إكراه كان.

سيتسائل أحد وما الحل؟ هو حل بسيط ولا يحتاج للمحاججة. وهو التأصيل القانوني للحق الدستوري للأمازيغية  في مشروع القانون، مع استحضار المادة 31 من القانون التنظيمي المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. والذي يحدد السقف الأقصى وليس الأدنى: بمعنى التنصيص القانوني لهذا الحق الدستوري، والعمل على تجاوز الإكراهات التقنية المتعلقة “بالمعطيات التعريفية المرجعية” كما جاء في توضيح المصدر الأمني. فهل هذا يعد ضربا من المستحيل؟ لا أعتقد ذلك.

ثم حتى لو سلمنا جدلا أن “الإكراه التقني”، فيما يخص المعطيات المرجعية الشخصية، وارد وقائم، فما يمنع من تضمين “البطاقة الوطنية” للمعطيات العامة المحايدة بحروف تيفيناغ؟ باعتبارها لاتستند إلى معطيات مرجعية ذات الصلة بالحالة المدنية من قبيل “المملكة المغربية” (ⵜⴰⴳⵍⴷⵉⵜ ⵏ ⵍⵎⵖⵔⵉⴱ) أو البطاقة الوطنية للتعريف  (ⵜⴰⴽⴰⵕⴹⴰ ⵜⴰⵏⴰⵎⵓⵔⵜ ⵏ ⵜⵎⴰⴳⵉⵜ) أو المدير العام للأمن الوطني (ⴰⵏⵎⵀⴰⵍ  ⴰⵎⴰⵜⴰⵢ  ⵏ  ⵜⵏⴼⵔⵓⵜ ⵜⴰⵏⴰⵎⵓⵔⵜ).

بهذه الصيغة المقترحة لن نشهر فقط الهوية البصرية، بل نكرس الهوية الحضارية والتي لن تزيد بطاقة المغاربة إلا أكثر تميزا وأبهى تفردا.

فحرف تيفيناغ أعتمد منذ 2003. أي ثم إقراره، منذ سبعة عشر سنة، كحرف رسمي للأمازيغية، و كعنوان أصيل للهوية. وكان من الواجب إدماجه في قانون الحالة المدنية المعدل خلال هذه المدة. وطموحنا اليوم هو تصحيح هذا الوضع بما ينتصر لمغرب الدستور الجديد. مغرب الوحدة في التنوع. مغرب المصالحات التاريخية والحقوقية. مغرب الوحدة والتضامن الذي جسده المغاربة في ظل الوباء. وهو ما يستلزم العمل بهذه الرؤية لتحصين مغرب ما بعد الجائحة، باحترام الديمقراطية اللغوية والثقافية كمدخل أساسي للديمقراطية الشاملة.

الأمازيغية، وكما ذكر بذلك صاحب الجلالة “مسؤولية الجميع، وتهم جميع المغاربة” والمؤشر الحقيقي على ذلك أن يجدها المغاربة في بطاقتهم كعنوان لهذه الهوية المتنوعة. في أفق أن يجدونها في مجالهم المشترك وحياتهم العامة.

أعجبني قول أحدهم: لم أكن أعرف أن للذاكرة عطرا، هو عطر الوطن. فما أجمل أن يكون للإنسان وطن يسكنه قبل أن يسكن فيه، ويعتز بالإنتساب إليه. وكما قال الشاعر:

ومن لم تكن أوطانه مفخرا له

فليس له في موطن المجد مفخر.

*وزير سابق وقيادي بحزب الحركة الشعبية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

    محمد
    27/06/2020
    20:04
    التعليق :

    سي اوزين انتم جزء من الجهاز التنفيذي الذي صادق على مشروع القانون، لم تحركوا ساكنا خلال مروره أمام اعضاء الحكومة التي انتم جزء منها، لقد استفقتم بعد احتجاجات الحركة الامازيغية، وهل تتذكرون موقف وزيركم في الثقافة من قانون وكالة المغرب العربي للأنباء والذي اقترحت إحدى مناضلات الحركة تعديله! كنتم دائما أول من …يتأخر في اتخاذ المواقف الشجاعة، ربما انتظارا للاشارات!!

    6
    0
    كريم
    27/06/2020
    20:50
    التعليق :

    في الصيف ضيعت اللبن. حين كنت متحكما في حزب الحركة الشعبية لم يكن همك الدفاع عن الأمازيغية لغة وثقافة، وحين كنت وزيرا لم نسمع منك كلاما عن الأمازيغية يعبر عن الحرقة ويترجم صدق الإنتماء.
    شطحاتك اليوم كي لا أقول دفاعك عن الأمازيغية هي مجرد محاولة لتلميع صورتك التي تلطخت بأخطائك القاتلة في حزبك وفي تدبيرك للشأن العام.

    7
    0
    ابو زيد
    27/06/2020
    22:21
    التعليق :

    الوجه الاخر للسيد اوزين!
    موسوعة ثقافية تطل علينا مؤخرا بشكل متواتر يبعث على التساؤل؟
    حتى أن مجال تدخلاتكم أصبحت مختلفة تاريخ علم الاجتماع انتروبولوجيا….
    عابد الجابري و العروي و…..في رجل واحد….
    لماذا لا تترك السياسة لأنك بالنسبة لي كإنسان متواضع المعارف و لكن كمواطن لست مؤهلا لخدمتنا و خدمة الوطن!

    7
    0
    رضوان
    28/06/2020
    02:32
    التعليق :

    أتاي ملقّم ما عندو حتى مذاق! أسطر من هنا و هناك و النتيجة منتوج فكري هجين و نشاز يظهر بجلاء أن الساحة السياسية ببلدنا مبتلاة بمظليين لا أقل و لا أكثر لا يجيدون سوى خطاب الحملات الانتخابية المستهلكة مع صخب الزرود و الحوالا مشويين على أنغام الشيخات و التبوريدة الخاوية

    4
    0
      مريمرين
      28/06/2020
      15:52
      التعليق :

      الانتخابات قربت ، ويبدو أن السي أوزين أراد أن يجرب حظه مرة أخرى مع ” كراطة ” من نوع آخر ..
      و أين كنت طيلة هذه المدة؟؟!

      2
      0
    يوسف.ق
    28/06/2020
    10:28
    التعليق :

    بارك فيك غا هاد التعاليق
    المغاربة فاقوا الزمط ليقامعهوم

    3
    0
    وينخ
    28/06/2020
    14:11
    التعليق :

    من استراتيجياتب حزبكم مند عهد احرضان العزف على وترة الامازيغية كلما شعرتم بالامازيغ ينفضوا من حولكم وقد تكون مهمتك هده المرة هو جس النبض
    السي اوزين تقلدت مناصب مؤثرة في الحكومة و انت صهر المراة الحديدية في الحزب لكنكما لم تحركا ساكنا فيما يتعلق بالهوية الامازيغية

    3
    0
    brahabaha
    28/06/2020
    14:57
    التعليق :

    الحركة الشعبية جاءت تحت الطلب ودلك لكسر توهج الاستقلال انداك ولم يكن همها يوما ما القضية الامازيغية والعكس فقد ناضلت ولا زالت تصارع الحركات الامازيغية الحقيقية احرضان من جندي فرنسي في الاستعمار الى سياسي مخزني بعد الاستقلال (الرزة والشيخات ) هما الامازيغية عند الحركة لقد كترت خرجات السياسيين مع قرب موسم الكدب على الدقون واصبح الكل يعرف تركيب الجمل وكل اساليب البيان والبلاغة في عهد وعصر لا يريد الا الحرية والدمقراطية يريد خبزا وكرامة يريد وطنا صادرته الاحزاب وجعلته في سوق المزايدة الامازيغية هوية الشعب المغربي ليست هوية حزب مغرب موحد يتعايش فيه الامازيغي والعربي واليهودي والمسيحي بكل هوياتهم ماعادت الهوية الامازيغية مطلبا حزبيا هي مطلب الشعب المغربي كله

    2
    0
    salem
    28/06/2020
    16:07
    التعليق :

    الطgية الجلباب البذلة التغير كالحرباء كل هذا لا يفيدنا تتغيرون خارجيا بمظاهر تظنون انكم بامكانكم خداعنا لا تعلمون ان تقلباتكم هذه تجعلنا لا نعرف سماكم الحقيقية ,الرجال لهم وجه واحد يعاكس كالمرات ضميرهم,عصيد رجل الكلمة له صفة تعبر بصدق عمى يختزنه

    1
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد