لماذا وإلى أين ؟

العنصرية ضد السود هي في بلادنا أيضاً

في العام 2012، كنت في زيارة إلى تونس لحضور مؤتمر، وكنا مجموعة من الشابات والشبان من المنطقة العربية، بألواننا وأشكالنا المتنوعة، التي تشبه حقيقة بلادنا الجميلة، ومن بيننا، صديق ببشرة سوداء.

في أحد الأيام، جاء إلينا وأخبرنا أنه تعرّض إلى تنمّر بالشارع بسبب لون بشرته. كان وقع هذا عليّ شخصياً، ثقيلاً جداً، خاصة في بلد يصبو نحو الحرية من كل أشكال القمع، وكانت الحادثة بمثابة تذكير وتسليط ضوء على عنصرية نعيشها في بلادنا، وغالباً لا نتوقف عندها، بل ويبدو أننا قمنا بتذويتها، للأسف الشديد.

في هذه الأيام، يعيش العالم حالة تضامن مهمّة مع أصحاب وصاحبات البشرة السوداء، نتيجة للجريمة التي تعرّض لها الأمريكي جورج فويلد. فالضجة التي أثارتها الجريمة عمّت بلدانا كثيرة في العالم، تجسّدت في مظاهرات ضمّت الآلاف من البشر، وكذلك احتجاجات عبر صفحات السوشال ميديا وغيرها من الفضاءات التي احتوت أصوات الغاضبين والغاضبات على التمييز المستمر الذي يعاني منه السود في العالم، في ظلّ منظومة استعلائية وفوقية بيضاء.

وهذا الاحتجاج لم يبتعد عن المنطقة العربية، حيث ارتفعت أصوات عديدة تُطالب بالعدالة والمساواة، “لا سلام دون عدالة”، هو الشعار الذي رفعه كثيرون وكثيرات. لكن، ماذا عن العنصرية ضد السود في المنطقة العربية؟ وهو موضوع يُثار كثيراً مؤخراً، وتأتي جريمة مقتل جورج فويلد، لتعيده إلى السطح من جديد.

أعرف أصدقاء وصديقات كثيرين من المنطقة العربية، عانوا ويعانون من تمييز ضدهم بسبب لون بشرتهم. منهن فاطمة أمين، وهي مصرية، ببشرة سوداء، تبلغ من العمر 32 عاماً.

في حديث مع فاطمة، والتي تعيش اليوم بعيداً عن مدينتها، القاهرة، قالت: “مؤخراً، أحاول قدر الإمكان أن لا أخرج إلى الشارع وأختلط مع الناس، إلا في المواصلات، وعندما اضطر لذلك، أضع سماعات الهاتف على أذني كي أوفّر على نفسي التعليقات، مثل ‘يا سودا’ وغيرها من التعليقات العنصرية، والتي يمكن أن تصلني من المارة، وتؤثر على صحّتي النفسية والجسدية”.

لا تختلف قصّة فاطمة كثيراً عن قصّة تقوى المساوي (32 عاماً)، مصرية تعمل في حقل التكنولوجيا وتتخذ أيضاً المسرح كهواية، والتي تطرقت إلى معايير الجمال العالمية القامعة لصاحبات البشرة السمراء والسوداء، والتي تخضع لها أيضاً المنطقة العربية وتبلوّر أشكالاً من العنصرية.

وتابعت: “في طفولتي، عشت مع نفسي مقارنات تجاه أخريات. حاولت والدتي حمايتي مما تعرّضت له هي بدورها. مثلاً كانت تقول لها إحدى قريباتها، أنه لا يجوز ارتداء اللون البني لأن البني لا يرتدي بني، ولا يجوز ارتداء الأبيض، لأنه سيظهر كم هي سمراء… وهذا ما تم تمريره لي، على الرغم من محاولات والدتي أن تزرع في نفسي حقيقة أني جميلة، لكن الرواسب التي عشتها لم تكن هي المسؤولة عنها ولم أستطيع تخطيها إلا عندما قررت ذلك”.

تواصل تقوى سرد قصتها مشيرة إلى أن خروجها من الرواسب الثقيلة هذه، كانت لأنها عملت على ذلك بمجهودها الشخصي، وتضيف: “مع الوقت، بلوّرت ثقة بذاتي، قائمة على العناد بالأساس، وأن كل من سيقول لي ‘سمراء بس حلوة’، سوف أجيبه بقسوة. رد الفعل هذا ليس تميّزاً وُلدت فيه، بل صنعته بذاتي. وهذه لم تكن رحلة قصيرة أو سهلة بالتأكيد”.

مع اختلاف التفاصيل، إلا أن قصص فاطمة وتقوى تتقاطع مع قصص كثيرة لأصحاب وصاحبات البشرة السمراء/ السوداء في المنطقة العربية، مجسّدة لأشكال العنصرية والتمييز التي نادراً ما نلتفت إليها، أو نتساءل بشأنها في ظلّ منظومات مجتمعية، وحتى حقول ثقافية، ترى بصاحب البشرة السوداء “أقل قيمة”.

يأخذني هذا إلى توظيف السود في السينما العربية وشاشات التلفزيون، إلى النكات القائمة على السخرية من البشرة السوداء، إلى المصطلحات والتعابير التي ترى باللون الأسود على “أنه سيء ويجلب الحظ البشع وينفّر منه البشر لأنهم خائفون أن يتسخوا به”. كلها، وأمثلة كثيرة أخرى للأسف، هي قبول باستمرار التمييز ضد أصحاب البشرة السمراء/ السوداء، سواء كانوا جيراننا في الحيّ أو يسكنون في قارة بعيدة ولا نعرفها.

أدرك أن التغيير لا يأتي بسرعة، وأن هنالك أداءات نقوم بها قائمة على جهل أو غير وعي بما تحمله من أبعاد أو تأثير على آخرين/ات، لكن، لن يأتي التغيير ولا العدالة إن لم نعمل في كل دائرة، قريبة كانت أو بعيدة، على التذكير والحدّ مما يحمله جزء من موروثنا الاجتماعي والثقافي من عنصرية تجاه الآخر، والآخر ليس بالضرورة أن يسكن على القمر.

كما أن العنصرية لا تحدث في أمريكا وأوروبا فقط، إنما هي موجودة في بلادنا، بل هي حيّة ويتم تغذيتها بأشكال عديدة، منها كلما سكتنا أو تجاهلنا تعابير وتصرفات فيها انتهاكات تُمارس على أصحاب وصاحبات البشرة السمراء/ السوداء. والحدّ منها، والصبو نحو اختفائها، هو جزء من سيرورة طريقنا، كشعوب، نحو الحرية والعدالة والمساواة لجميعنا، بلا تمييز على أساس لون، جنس، عرق أو دين. على أمل، أن يكون لموجة الغضب هذه ضد العنصرية تجاه السود في العالم، تأثيراً إيجابياً ملموساً على بلادنا أيضاً، كي تتسع للجميع، دون تمييز أو عنصرية، والكثير من العدالة والسلام والحرية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

    احمد
    30/06/2020
    00:04
    التعليق :

    فعلا العنصرية لم نقض عليها في المغرب.
    المشكل ان البعض لا يريد ان يعترف بها بل هناك من يفتخر بها.

    2
    1
    مصطفي
    30/06/2020
    11:40
    التعليق :

    هناك ارث عنصري. لازلت اتذكر في صبايا ان اصحاب البشرة السوداء من طبقة اقل من البيضاء. و غالبا ما كانوا غير ميسورين. لهذا يجب و قت لازالة هذا المعتقد الان لا فرق بين اسود و ابيض الا بالتقوى فشباب اليوم ينشئ على هذه التربية.

    1
    1
    أم مغربية
    30/06/2020
    19:56
    التعليق :

    تفتعلون و تجاهدون في خلق جريمة اجتماعية. عشت منذ صبايا مع أنس مخلفي اللغة و الملامح …فعلا كنا ، أحيانا، نناديهم أو نرمز لهم ب” الشلح” أو “الكحل” أو ” العرج”. أو ” الفاسي”,,,,..و لكن لم تكن في هده المسميات أية نية اجرامية أو أثصائية كما في أمريكا وجنوب أفريقيا. هناك حالات أقصاء و لكن أغلبها مادي أو أخلاقي.
    أما أن تنادون بالمساوات فهدا يعني أن هناك فعلا عنصرية systématique متجدرة. و هي محاولات للتفرقة و خلق البلبلة بين فئات الشعب المغربي ، كما حاولوا في التفرقة بين ما يسمونهم “العرب/الأمازيغ”…امنى من الجميع أن يصد هذه الأفكار التخريبية.

    0
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد