لماذا وإلى أين ؟

إلى طائر الفينيق: آيت الجيد بنعيسى .. في ذكرك حوادث وصورة


Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 212

Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 213

الح. الروباشي

العزيز بنعيسى،
تحية محبة وتقدير،
منذ مدة لم أكتب للتذكر، بعد أن ينتصف الليل. أرجو أن تتقبل مني ما بقي من انطباعات، وما لم تصححه عدسة نظارتي، ولوحتي الالكترونية.
أتلفت خراطيم المياه مواطئ خطواتنا من ساحة الشهيدة والشهيد والمُلقى به إلى المجهول. ومع ذلك، ننتشر أنفاسا رطبة بين أغبرة جافة، مُشعة أفئدتنا ترقن رسائل الحمام بين قدم تُهز وقدم تُحط.

فتشتُ أوراقا تلاعب بها وعدُ السنين باستشراف المستقبل. صادفت نسخة من ملف الشهيد، أنت ملفوف في كلمات التأبين، ونسخة من بحث “التجربة الدستورية في المغرب، محاولة في رصد أبعاد وأفاق الإصلاحات الدستورية” للراحل بلواد عبد الفتاح وع. عبد الخالق، ونسخة من بحث “تطور زاوية أحمد اليعقوبي في حوض ملوية الوسطى اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ودينيا” للطيب بياض وق. محمد.

وكنتُ آخر مرة رأيتُ علي ماسكار جمجمة تقهقه فوق وسادة، في حي ليراك، خرجتُ من عنده بابتسامته تستصغر كل حرب لأجل نصف البقاء، وتحتقر كل حياة لا تنتهي بموت محترم، وبعزاء مُلهِم.

في ذكرك حوادث وصورة.

أمام تظاهرة عارمة وبشعارات قوية، أنت النحيف تتقدم وتساهم في توجيه نضال الجماهير الطلابية. لا تهتم بحركات أحدية غليظة ومنظمة ومدربة على الدوس.

كانت جامعة سيدي محمد بن عبد الله، ظهر المهراز بفاس، معسكرة من كل جوانبها.

ألقوا علينا الغاز المسيل للدموع، ثم هجموا من كل جهة بمركباتهم وهِراواتهم. ضاق تنفسنا. تمكن الغاز من الرفيق، فتمددتَ فوق التراب، خلف كلية الآداب، طريق وسلان.

ارتوينا من ساقية في ذاك الخلاء قبل أن تداهمنا، ككل مرة، فرق التدخل السريع لتشتيت جمع المتظاهرين.

اتجهنا، أنت وأنا، يا لوحدتنا وسط حي “عوينات الحجاج” ومنه إلى الحجرة الضيقة، مشيا على الأقدام. ونحن نسلك طريقا مُلغما وسط حي خطير على كل غريب، حي كان تحت ضغط جماعات الإسلام السياسي وجماعات الانحراف المتنوع، تُشعرني رُفقتك بالأمان.

أقول في صمتي، يخزُن في صمته قوة مقاومة الانهيار.

ولا يستعجل شيئا. وينفُذ، بهدوء، إلى إشكاليات القضايا الوطنية والإنسانية. في شرحه توقيف لجنة نقابية، كاعتقال في حالة سراح، لا يركز صاحبي على طبيعة مجلس الكلية ومكوناته، بل يذهب إلى نقاش عام، مشروع الإصلاح الجامعي وهيكلة البحث العلمي، والصراع الاجتماعي حول تعليم شعبي وديمقراطي. يخلص إلى أن قرارات الحظر والتوقيف والطرد والاعتقال والتدخلات المؤدية إلى عاهات مستديمة وإلى القتل، هي تحصيل حاصل، العبارة الأكثر تداولا في حلقات النقاش الطلابي حينها.

ومن تفاصيل بسيطة ليوميات الطالب، في ساحة الجامعة والدواوير المحيطة بها، يضع ما طالك موضع ما طاله قبلك وما سيطال بعدنا، فمطالب الطلبة جزء من مطالب الشعب المغربي. وكما لكل معركة جماهيرية صدى في الجامعة، لكل الحركة الطلابية اثر مهم في مسار المجتمع. ويضيف صاحبي، ذو الخُلق الحسن، النضال انقلاب ايجابي في الوعي، ثقافة وسلوك وتضحيات مَن يشقى لبناء هذا الوطن للجميع.

ولكن، تعجلوا رحيله.

أهون من الانسحاب المواجهة، تتردد مرارا في نفسي كلما التقت عيوني نظراتك الهادئة.

“أترى كل شيء كما أراه؟
” ! لست أدري
أخبرك: القاتل يملك قُفل المراحيض. الأشباح تطلب المفتاح كلما اضطربت مصارينها. وما زال في ذكرك ما يحدث.

صورتك مُغمىً عليك، يلتصق الكتف العاري بالخد، تقذف دما على وجوههم. وما يزال الحجر الكبير يثقل أكتافهم. تفزعهم ابتسامتك كلما نظروا إلى كراسيهم.

أتذكر الحجرة الضيقة جدا !

سريران متوازيان. نحيفان تقابلا جنبا لجنب، بينهما جهاز كاسيط. وبين رأسينا ” لسه فاكر” أضيف إلى علمك بهم، الذين لم يستسيغوا سماع النبض، بعد عمرك، ليس طويلا، رقصوا على ” بوسي الواوا.. خلي الواوا يصح ”

أيها الشهيد،

لم ندفن معك لُطف مُحياك.
أُبلغك سلامه البش، وشهادته المشرقة.

! ارتاح

في يوم الشهيد؛

الحجرة الضيقة؛

فاس

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

 

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد