لماذا وإلى أين ؟

الإعتبارات المثلى لإعمال قاعدة عدم الأهلية لعضوية مجلس النواب

جاء القانون التنظيمي لمجلس النواب، بمقتضيات تحدد صفة الأشخاص الذين لا يملكون الأهلية لعضوية مجلس النواب. ويتعلق الأمر بأعضاء مجلس المستشارين، المادة 5، والمتجنسون بالجنسية المغربية، وكذا من اختل فيهم شرط على الأقل من شروط صفة ناخب، وأيضا الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية بعقوبة الحبس النافذ أو الموقوف التنفيذ، في جرائم انتخابية، المادة 6، والأشخاص الذين يزاولون وظائف فعلية، كالقضاة والولاة والعمال وأفراد القوات المسلحة…الخ ، المادة 7.

وفئة أخرى من الأشخاص الذين زاولوا مهامهم منذ أقل من سنتين أو سنة في الدائرة الانتخابية ومنهم رؤساء المصالح اللاممركزة القطاعات الوزارية، في الجهات والعمالات والأقاليم، و مديري المؤسسات العمومية في كل دائرة تقع داخل النفوذ الترابي حسب المواد 8 و9 و10 من ذات القانون .

ويتبين من القانون التنظيمي رقم 04/21، أن وزارة الداخلية استثنت رؤساء الجماعات الترابية والغرف المهنية من حالات انعدام الأهلية، وجعلت الأمر محصورا في حالة تنافي يتيمة بين رئاسة الجهة وعضوية المجلس حسب صريح المادة 13 .

والحقيقة أن اعتبارات موضوعية عدة تقتضي جعل رئاسة الجماعات الترابية، والغرف بالتبعية ، مشمولة بشكل مطلق بانعدام الأهلية لعضوية مجلس النواب ، ومن هذه الاعتبارات مايلي :

1- إعتبار دستوري : متصل بحسن فهم وتنزيل مقتضيات الدستور 2011، وخصوصا الفصل 63 منه ، الذي أبقى على الغرفة الثانية ، وجعل عضويتها محصورة في أصناف من الناخبين الكبار يمثل المستشارون الجماعيون ثلاثة أخماسهم ، كما أنه إتجه إلى نفس المنحى ، حين أوجب إيداع “مشاريع القوانين المتعلقة على وجه الخصوص بالجماعات الترابية وبالتنمية الجهوية وبالقضايا الاجتماعية، تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين”.

إن معنى هذه الهندسة الدستورية الجديدة للمؤسسة البرلمانية هو بلا شك إحداث فصل و تمييز بين مكونات الغرفتين بما يجعل الصورة العامة للبرلمان في منأى عن الخلط الذي ينتجه حضور الناخبين الكبار في الغرفة الأولى ، وهذا التمييز من شأنه أن يعزز مصداقية وفعالية البرلمان بغرفتيه.

2- اعتبار قانوني : يمليه منطق الملاءمة مع مقتضيات المادة 13 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، والذي أقر التنافي بين عضوية المجلس ورئاسة مجلس الجهة .

هذا التنافي يطرح سؤالا مشروعا وهو هل يستقيم أن يكون التنافي جائزا في حالة رئاسة جهة مهما كانت شساعتها وتحدياتها التدبيرية، ولا يكون التنافي مع رئاسة مدينة في حجم الدار البيضاء أو فاس أو طنجة..الخ؟

ومع ذلك ، فالتنافي ليس كافيا ، بل يقتضي إنعدام الأهلية لتحقيق التفرغ الكامل لإحدى المسؤوليتين وركوب المخاطرة السياسية في حالة التفكير في ولوج مجلس النواب ، لأن انعدام الأهلية يقتضي تقديم الاستقالة من الرئاسة قبل الترشح ، عكس التنافي الذي لا يطرح بشكل بعدي ويجعل المعني بالأمر في وضع مريح لاختيار الموقع الذي يشاء .

3- اعتبار سياسي : متصل بحجم الفساد الانتخابي الذي عرفته بعض المحطات الانتخابية ، والتي مكنت بعض الأحزاب السلطوية من حصد ما لا يقل عن 400 رئيس مجلس جماعي أغلبهم في العالم القروي . هؤلاء الرؤساء يشكلون في غالبيهم العظمى ” جيشا ” ، من شأنه أن يكرس إفساد الانتخابات المقبلة ويضرب مصداقيتها ، بالنظر إلى استحالة عدم استغلالهم للجماعات الترابية واستعمال إمكانياتها وقودا انتخابيا يضرب تكافؤ الفرص بين المتنافسين .

وفي صلب هذا الاعتبار السياسي طبعا ، هناك ما هو متصل بتقييم تجربة مجلس النواب في الولاية التشريعية الحالية ، حيث يقارب فيه عدد رؤساء الجماعات الـ100 رئيس، أغلبهم مسؤولون عن ظاهرة الغياب وضعف الحضور والمشاركة في عمل اللجن التشريعية الدائمة ، لأنهم منشغلون بجماعاتهم ، وغالبا ما يكون حضورهم للمشاركة في التصويت حين ينادى عليهم من طرف فرقهم البرلمانية ، أو لطرح سؤال شفوي يتعلق في الغالب بقضايا محلية وذات صلة بجماعاتهم . وواضح من هذا التقييم المركز أن المثابرة من أجل تطوير الدور الرقابي المتصل بالسياسات العمومية أو العمل التشريعي المتصل بالمصالح العليا للوطن والمواطنين ليست داخلة ضمن أجندة أغلب هؤلاء الرؤساء .

4- اعتبار تنموي متصل بكون رئيس الجماعة الترابية حين يضع نصب عينيه الوصول إلى مجلس النواب ، فإنه غالبا ما لا ينشغل بوضع مخطط تنموي لجماعته وبذل الجهد لتحقيق أهداف المخطط بشكل رصين ومسؤول وفي تعاون مع كافة الشركاء ، بل يستدرجه التنافس على المقعد البرلماني فينخرط في ممارسات انتخابوية تجعل العمل التنموي ثانويا ، وهو ما يؤكده واقع أغلب الجماعات التي يسخر فيها البرلمان للانتخابات الجماعية ورئاسة الجماعة للانتخابات البرلمانية في حلقة مفرغة .

5- اعتبار حزبي وديمقراطي متصل بكون تراكم المسؤوليات الانتدابية بين رئاسة الجماعة وعضوية مجلس النواب يكون على حساب إشراك أوسع الشرائح والكفاءات والأطر داخل الحزب الواحد في المسؤولية. فتوسيع دائرة المشاركة السياسية ، ورفع جاذبية الأحزاب وتعزيز المناخ الديمقراطي التشاركي بداخلها ، لا يمكن أن يتم دون حشد الطاقات الحزبية في مواقع المسؤولية والقطع مع الاحتكار الذي يتجلى في الجمع بين مسؤوليات تنفيذية تحتاج كل واحدة منها إلى تفرغ حقيقي .

ولا يخفى على كل متتبع أن من بين أسباب الشنآن بين مناضلي الأحزاب وأعضائها ظاهرة احتكار المسؤوليات ومراكمة المهام ، وهي ظواهر غير ديمقراطية وتعكس استشراء ثقافة التحكم والعجز عن الانفتاح وتقاسم المسؤولية وتطوير الديمقراطية الداخلية للأحزاب.

فعدم الأهلية هي القاعدة القانونية التي ينبغي إعمالها في سياق دستوري وقانوني وسياسي وحزبي مخصوص من أجل استبعاد رؤساء الجماعات والغرف من مجلس النواب وتكريس تفرغهم لمهامهم المحلية، وليس التنافي، حتى يكون الراغب في ولوج مجلس النواب مضطرا لتقديم استقالته من رئاسة الجماعة وركوب فرس المنافسة في تكافؤ للفرص بينه وبين الأغيار.

وفي الأخير لا يسعنا الا القول بأن هذه الدواعي الخمسة ، تقتضي من المشرع مستقبلا الاخد بها ، بما يسمح من تعزيز لقيم الديمقراطية الحقة ، وصناعة التنمية ومحاربة الفساد وتحقيق النجاعة البرلمانية.

محام وباحث في الإعلام والهجرة وحقوق الإنسان.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد