لماذا وإلى أين ؟

اكتشاف الصين؛ رحلة أكاديمي مغربي إلى أرض التنين للدكتور الطيب بياض


Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 212

Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 213

نبيل الطويهري *

اختار المؤرخ الطيب بياض تدشين سلسلة إنتاجاته الأكاديمية سنة 2022، بإصدار متن رحلي، حرص من خلاله على جعل المؤرخ في قلب الحدث، وجاهزا لتقديم عناصر تفسير لتفكيك شفرات العملاق الأسيوي العصي على الفهم، والذي لا ينفك يدهش العالم سواء بثوابته أو بمتغيراته.

بتزكية من معهد كونفوشيوس بمدينة الدار البيضاء سنة 2018، حل الطيب بياض، في رحلته الشاقة، ضيفا مرحبا به بأرض التنين لمدة أسبوعين كاملين، قصد المساهمة في برنامج دراسي ترويجي موجه لفائدة “القادة الشباب الأفارقة”. وبعين الباحث الأكاديمي الفاحص لموضوع اشتغاله، أثمرت اللحظة التاريخية عملا متميزا، تعكس صفحاته زمنين متصلين ومنفصلين، زمن الصين في الماضي الذي يلقي بظلاله وأطيافه على الحاضر، وزمن الرحلة الذي يعيشه الطيب بياض في جزئياته وتفاصيله.

في حلة أنيقة، صدر مؤلًّف “اكتشاف الصين” عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية- عين الشق- بالدار البيضاء، ومنشورات بيت الحكمة، وفيه يكتشف القارئ فرادة التجربة التنموية الصينية، وبحكم مهنته بوصفه مؤرخا لم يبخل الطيب بياض على القارئ، فأهداه متنا رحليا يجمع بين الصنعة الأدبية، والمعرفة العلمية التي ظلت نافذة بقوة طوال مسير الرحلة وهو الأمر الذي يجعل القارئ المتلهف لاكتشاف التنين الأحمر ينهل من ينبوع الكتاب نهل الضمآن.

إن الكتاب يعد بحق شهادة تاريخية ترصد العوامل التي مهدت لأكبر تحول شهدته الصين في تاريخها المعاصر، والتي تعود في جزء كبير منها إلى البنية الذهنية للإنسان الصيني الموسومة بثقافة التحدي التي زرعها “ماو” وتقمصت كل شخصية في الصين، إلى درجة عرفت كيف تتحول إلى شعلة تنير هدفه، وتحثه على المسير.

لم يتنكر الصيني لتاريخه وذاكرته الجماعية، وفهم الأصالة فهما صحيحا، وسعى إلى الانفتاح الحكيم على العالم بعد مرحلة الزعيم التاريخي “ماو تسي تونغ”، واللافت في التجربة الصينية أن تحولها النوعي المبهر، موشى بنجاحها في المحافظة على هويتها من التصدع، وعلى تراثها من الذوبان في ملح عولمة زاحفة بكل شراسة.

يسجل الأكاديمي” الطيب بياض “في كتابه الماتع، نجاح سياسة الإصلاح والانفتاح التي تبنتها الصين سنة 1978م، في كسر أغلال التقوقع على الذات، فانطلقت ترنو متسلحة بقوتها الناعمة إلى التموقع في خريطة العالم، وتحقيق حضور منتج في القارة الإفريقية من خلال بوابة الاستثمار على أساس قاعدة “رابح – رابح”. و انطلاقا من هذه الخلفية الاقتصادية جاءت مشاركة الصين سنة 2015م، في افتتاح قمة جوهانسبورغ لمنتدى التعاون الصيني الإفريقي الذي يروم تعزيز العلاقات الإقتصادية والثقافية، والإرتقاء بالشراكة الإستراتيجية بين الجانبين إلى شراكة تعـاونية شاملة.

لقد جاد المؤرخ “الطيب بياض” في كتابه، على القارئ، فأطلعه على تَفَـــرُّد التـجربة الصينية مقارنةً بالتجــارب الأخرى ، لِمَ لا وهي التي أبت الوقوع في شَرَك الإسـقاط والإستنساخ لينطلق مَسيرُ تنميتها من غوصها في أعماق الواقع الصيني ثقافيا وحضاريا، بعد أن ارتشفت (التجربة) رحيق التجارب النـاجحة، معتمدة في ذلك على رأسمالها البشري، من علماء و باحثين سبروا أغوار الرأسمالية، والإشتراكية؛ فتمخض عن ذلك ولادة اشتراكـية جديدة من رحم ”أرض الحِكمة”، تتفق مع خصائصها ومع متطلبات العصر، وهي الإشتراكية ذاتُ الخصائص الصينية، والتي تبدو كلوحة موسيقية، كلما تعددت أصواتها ونغماتها، كلما ازدادت عذوبةً، على حد تعبير المدير المغربي لمعهد كونفوشيوس بالدار البيضاء.

في رحاب كتاب ” اكتشاف الصين ” وبعدسة الأنثروبولوجيا التاريخية، يرصد الدكتور “بياض” بعض القواسم المشتركة بين الذهنية الصينية، ونظيرتها المغربية المتجلية في قيم التعاون، والعمل التطوعي، الذي توهج حضوره هناك، وبهُت حضورُه في المَشْهَد المغربي بفعل تكسُّر موْجِ المصلحة العامة على صخرة المصلحة الشخصية، وبنفس العدسة يُصوِّر لنا الكاتب لُحْمةَ وتماسُك أطياف المجتمع الصيني المتعددة، والمختلفة إثْنيّا ودينيًّا، غير أنها مجتمعةٌ و مُجمِعةٌ على قيم مواطنة تُؤمن بالتعدد، والإختلاف وتَكْفُر بنقيضيهما، حيث لا شعار يعلو على شعار “الأخـلاقُ أوَّلاً ” .

 

مما يُحمد للأكاديمي”الطيب بياض” المسكون بحاضر المغرب ومستقبله، انشغـالُه بسبُل استفادة البلاد من مسير التجربة الصينية، وهو الذي يهفو اليوم إلى تحقيق نموذج تنموي قائم على جهوية موسعة، حريٌّ بالمغرب أن يستفيد من الدرس الصيني لإنجـاحها، وحريٌّ بالصين أن تدعمها، وهي الساعية إلى جعل تنميتها الوطنية تتصل بالعالم الإفريقي؛ فالحكمة الصينية تقتضي أن العبور إليه بنجاح لا يمكن أن يتم إلا عبر بوابة المغرب بوصفه مركزا حضاريا متجذرا في العمق الإفريقي روحيا، وثقافيا، واقتصاديا؛ فهو الذي كان دوما جسرا ذهبيا لم يخفت بريقه بين العالم العربي، والإفريقي، والمتوسطي، وهذا ما يدركه المارد الصيني، الذي يسعى إلى معانقة القارة السمراء، في إطار مبادرة “الحزام و الطريق”.

على هذا النحو، تودعنا صفحات كتاب رفيع أهدانا فيه الحفيد الأكاديمي الطيب بياض “تُحـفة الناظِرين” في اكتشاف بلد التِّنين، بعد أن أهدانا الجد “ابن بطـوطة “كتاب تُحفة النُّظـار في غرائـِب الأمْصار وعَـجائِب الأسْــفار”.

إن ما يقدمه الدكتور الطيب بياض من درس في هذا الكتاب، هو أن البلاد مدعوة بقوة إلى الإستئناس بالتجـارب الناجحة، ومحاولة تبْيِئَــتها في التربة المحلية دون استنساخٍ أو إسقاط، حتى يظهر الإنسان المغربي جليا، ويكون تعبيراً عن أمته وانعكاساً لتاريخِه.

*طالب باحث في مختبر التاريخ والتراث والمجتمع- كلية الآداب عين الشق، الدار البيضاء.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

 

 

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد