لماذا وإلى أين ؟

أعـلامٌ من الصّحراء: الدّاي ولد سيدي بابا.. مـوريتاني تَـرأَّسَ البرلمان المغربي

يسر جريدة “آشكاين الإلكترونية  أن تضع بين يدي قرائها الأعزاء سلسلة رمضانية تمتح من عبق التاريخ المغربي وارتباطه بمكونه الصحراوي، و تصول و تجول بنا عبر امتداد هذا التاريخ، في الأثر الذي أحدثه قادة وشيوخ وأدباء و سياسيون وأعلام صحراويون في تراتبية هرم السياسة و الثقافة المغربية، من خلال برنامجكم الرمضاني “أعلام من الصحراء”.

ولن تخضع سلسلة ” أعلام من الصحراء” لتعيير كرونولوجي معين، بقدر ما ستحتكم إلى إشعاع العلم المراد تناول نفحات من سيرته و تسليط الضوء على أهم الجوانب منها، عبر شهادات حية لباحثين أو أقارب أو مهتمين، أو من خلال استقراء التاريخ  دون الخضوع لكرونولوجيا معينة في حكي مناقب شخصياتنا.

واخترنا أن نستهل أولى حلقات سلسلتنا التاريخية “أعلام من الصحراء“، بأحد أبرز الوجوه التي تقلدت مناصب عليا في البلاد، والذي حظي بثقة كبيرة من طرف الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، فعينه سفيرا له في عدة دول، إنه الدبلوماسي والسياسي القادم من موريتانيا والذي لبس جبة المواطن المغربي: الداي ولد سيدي بابا.

المنشأ والمهام الدبلوماسية

ولد الداي ولد سيدي بابا في مدينة أطار الموريتانية عام 1921،  هو يعتبر ظاهرة سياسية بامتياز نظرا للكفاءة اللغوية و الحنكة الدبلوماسية التي يتمتع بها، وتلقى تعليمه في مختلف مراحله بمسقط رأسه، وتقلد العديد من المناصب الكبرى في كل من موريتانيا و المغرب.

يعتبر ولد سيدي بابا شخصية دبلوماسية و سياسية مغربية من أصول موريتانية، وينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو رابع رئيس لمجلس النواب المغربي ما بين سنتي 1977 و 1983.

بعد مجيئه إلى المغرب قادما من موريتانيا عام 1958، عُيِّن مستشاراً في وزارة الشؤون الخارجية و رئيس قسم أفريقيا في هذه الوزارة خلال الفترة بين عامي 1959 و 1960، وحظي بالثقة الملكية حين عينه الملك الحسن الثاني سفيراً للمغرب في جمهورية غينيا من عام 1961 إلى عام 1962، ثم نائب رئيس الوفد الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة، وممثلاً للمغرب في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة برتبة سفير من عام 1963 إلى عام 1964.

لم يكتف الدبلوماسي المغربي بهذه المناصب فقط بل  عمل، بين عامي 1965 و 1967 مندوباً دائماً للمغرب لدى الأمم المتحدة، واُنتخب في نهاية هذه المدة نائباً لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1966، ليصبح بعدها وزيراً في الديوان الملكي من عام 1967 إلى عام 1971.

كما عينه الملك بعد ذلك سفيراً للمغرب في المملكة العربية السعودية من عام 1971 إلى عام 1972، ليكون مديراً بعدها للديوان الملكي من شهر نوفمبر 1972 حتى شهر مايو 1973، كما عُيِّن وزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية من عام 1974 إلى عام 1977، وكذلك وزيراً للتعليم من عام 1973 إلى عام 1977.

و واصل هذا الدبلوماسي الموريتاني القادم إلى المغرب شغل مهام كبرى، لعل أبرزها  توليه منصب رئيسٍ للجنة التفتيش التي عينها مجلس الأمن في عام 1964 للتوجه إلى فيتنام وكامبوديا، للبحث في الحوادث التي جرت آنذاك في تلك المنطقة من جنوب شرقي آسيا، كما عُيِّن بقرار من مجلس الأمن عضواً في اللجنة المكلفة بالبحث في قضية التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وأسفرت أعمالها ونتائجها عن إنشاء برنامج خاص تابع للأمم المتحدة لمساعدة ضحايا التمييز العنصري.

رئاسة للبرلمان حلقة في عقد مرصع بالمهام

وقال الباحث في التراث اللامادي الحساني بوزيد الغلى، إن “الداي ولد سيدي بابا أتخيله وهو يخطب في أوائل الثمانينات  في فترة الانتخابات، خلال مهرجان خطابي في مهرجان آسا، والتي كانت عبارة عن دائرة تابعة لعمالة كلميم آنذاك، وكان مرشحا عن حزب الأحرار كنائب برلماني للانتخابات التشريعية، وأصبح لاحقا رئيسا للبرلمان”.

واعتبر لغلى، في تصريحه لـ”آشكاين”، أن “رئاسة الداي ولد سيدي بابا للبرلمان المغربي كانت حلقة في عقد مرصع بالمهام الكبرى التي بدأت عمليا بعد التحاقه قادما من موريتانيا إلى المغرب، بعد أن اختار أن يكون مغربيا، على حد تعبير من عرفوه”.

وأبرز محدثنا أن الراحل “تقلد سنة 1958 بعيد استقلال المغرب عن فرنسا، مهام كبرى، ضمن شناقطة آخرين لا يزال منهم على قيد الحياة الدكتور المختار ولد باه، بينما انتقل  الآخرون إلى رحمة الله، مثل الأمير محمد فال ولد العمير وغيرهم”.

“في الستينات تولى مناصب رفيعة في الدولة المغربية عبر مهام دبلوماسية”، يضيف الباحث في التراث اللامادي الحساني، بوزيد لغلى “ولعل أرفعها منصب الممثل الدائم للمغرب في الأمم المتحدةـ وتولى أيضا نائب رئيس الجمعية العامة في هياكل الأمم المتحدة، وكان سفيرا للمغرب في عدة دول”.

إدارة الديوان الملكي دليل على ثقة الملك

وأضاف المتحدث أن ولد سيدي بابا “تقلد حقائب وزارية هامة، بعد توليه في فترة معينة منصب مدير للديوان الملكي، وهو أرفع المناصب في المملكة المغربية، وهو دليل على ثقة الحسن الثاني رحمة الله عليه في هذا الرجل، الذي جمع بين ثقافة عربية أصيلة على عادة كبار الشناقطة، وثقافة فرنسية، تجعله، كما قال بعض من تحدث عنه يتحدث بأريحية كبيرة باللغتين العربية والفرنسية”.

علاقة حذرة مع البصري

ومن بين المناصب الوزارية التي تقلدها الرحال، هي وزير التعليم، و وزارة الأوقاف في وقت لاحق، ومما كُتب عنه أنه كان بحكم ذكائه الدبلوماسي و بحكم هدوئه، ظل يحتفظ بعلاقة حذرة مع الوزير القوي في تلك الحقبة إدريس البصري”.

ولفت المتحدث الانتباه إلى أن “ولد سيدي بابا لا يخضِع وزارة التعليم لتعليمات وزير الداخلية، وفق ما كشفه أحد موظفي الوزارة في حوار منشور بالفرنسية، ولم تكن العلاقات بينهما ودية، كما فهمت من بعض المقابلات”.

وخلص إلى أن “سيرة الداي ولد سيدي بابا تحتاج إلى شهادات من جايلوه وأسرته، وهذه النافذة التي تفتحونها اليوم مهمة جدا، لأنها ستبرز على الأقل أثر ذوي الأصول البيظانية، سواء من أصول صحراوية من جنوب المغرب أم من الشقيقة الموريتانية، وجهودهم في خدمة الدولة المغربية”.

عرفان بعد الوفاة

توفي  الداي ولد سيدي بابا،  سنة 1992، وتلقى بعد وفاته، تكريما نوعيا  من ابن عمومته البظانية، محمد الشيخ بيد الله، الرئيس السابق لمجلس المستشارين،  من خلال تسمية إحدى القاعات بالمجلس باسم الداي ولد سيدي بابا.

 

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد