لماذا وإلى أين ؟

66 سنة على تأسيس الجيش المغربي

لعل الكتابات التي تناولت في موضوعها الجيش المغربي عبر محلاته المختلفة و تاريخه الحديث تعد قليلة، سيما مقارنة مع حجم النصوص التي عالجت مواضيع من طبيعة أخرى في تاريخ المغرب، ما جعل هذا العنصر الرئيس في بنيان الدولة مجالا غير معروف لدى العموم بشكل واضح، و ظل، ربما لأسباب قد تكون نفسية، محل تحفظ أو خوف.

التاريخ العسكري للمغرب يرتبط، كما في باقي أقطار العالم، بنشوء وتطور الدولة عبر مراحل تاريخية متعاقبة، تميزت على الدوام بمواجهة السكان الأصليين للدخلاء من باقي الأصقاع، و هذا قبل أن يتم “التصالح” بينهم وبين “الوافدين” من الشرق تحت راية الدين الجديد.

مع تعاقب الدول التي سادت، بداية من الأدارسة و انتهاءً بالعلويين، أنجب المغرب قادة عسكريين من نوع فريد ساهموا بقوة و بإبداع في صياغة “فلسفة عسكرية” مميزة لبلاد المغرب، لاعتبارات تتعلق بتاريخ البلد و جغرافيته و بثقافته القتالية، و هكذا ظهر،كمثال، اسم شهير في تاريخ الحروب هو القائد الأمازيغي طارق بن زياد الذي استطاع عبور البحر نحو الشمال و التوغل داخل الجزيرة الإيبيرية، و طوال تلك الفترات التاريخية ظهر المغاربة كقوة عسكرية يضرب لها الحساب، سواء في مواجهة العثمانيين من جهة الشرق أو في مواجهة البرتغالين و الإسبان من ناحية الغرب.

تأسيس الجيش النظامي المغربي لم يتم إلا بعد استقلال المغرب في سنة 1956، حيث تم الإعلان رسميا في يونيو من هذه السنة عن ميلاد “القوات المسلحة الملكية”، البرية و الجوية، وذلك قبل أن تتعزز لاحقا بقوات ” البحرية الملكية”. و خلال مسيرتها الممتدة لأزيد من ستة عقود، أفرزت المؤسسة العسكرية أسماء لامعة في المجال الحربي، إذ كان الجيل المؤسس ممن حاربوا في الهند الصينية أو ممن شاركوا، تحت راية فرنسا، في الحرب الكونية الثانية، لتتخرج بعد ذلك أفواج جديدة من المدارس و الأكاديميات المغربية، و لعل أشهر هذه المؤسسات هي مدرسة “اهرمومو العسكرية” التي وقَّع أطرُها و تلاميذُها عام 71 على أحداث كادت تعصف باستقرار المغرب، قبل أن تَلِيَ ذلك، و بعد عام واحد فقط، مشاركة ضباط من قاعدة القنيطرة الجوية في محاولة إسقاط طائرة الملك الراحل الحسن الثاني، الطائرة الملكية المدنية التي كان يقودها بالمناسبة ضابط سابق في سلاح الجو الملكي.

المثير في شخصية العسكريين المغاربة أنهم كانوا على الدوام رجال حرب حقيقيين، و لعل الريفيين منهم، بشكل خاص، قد نبغوا في العلوم و الفنون القتالية، فالجميع يعرف أن أول و آخر عسكري بلغ رتبة “مارشال” كان ضابطا ريفيا يحمل اسم محمد أمزيان، وهو ضابط تحكي الروايات التاريخية أنه شارك، إلى جانب إسبانيا، في محاربة مقاتلين ريفيين من بني جلدته انتفضوا ضد الغزو، خلال بداية التوغل الإسباني في شمال المغرب، مقاتلين كان في طليعتهم البطل البقيوي حدّو لكحل، الذي يعد  أول طيار حربي من الريف كما كان قائدا عسكريا اعتمد عليه ابن عبد الكريم الخطابي بشكل تام في محاولة تأسيس جهاز استخبارات عسكرية، وكان ذلك في بداية عشرينات القرن الماضي  قبل ينهزم ابن عبد الكريم في مواجهته مع القوتين الإستعماريتين إسبانيا و فرنسا، لينتهي المطاف بالبطل حدّو لكحل أسيرا في مدينة موكادور (الصويرة) بمنطقة (الحماية) الفرنسية، وبقي في منفاه الإجباري إلى حين وفاته سنة 1950.

الضابط محمد أمزيان، الذي عمل إلى جانب الجنرال فرانكو، يرجع له الفضل في ترجيح كفة الديكتاتور ضد قوات اليسار الاسباني خلال الحرب الأهلية. و في مرحلة ما بعد استقلال المغرب برزت كفاءة الضباط الريفيين من جديد في مختلف أسلحة الجيش، ومن اللافت للانتباه أن يترقى ضابط ريفي في سلاح الفرسان باسم اليزيد الشراط و يبلغ درجة عقيد ركن، بل ويصبح معلما للأمراء في مهارات الفروسية و مرافقا للملك الراحل الحسن الثاني.

بعيدا عن معارك الدفاع عن صحراء المغرب التي أبلى فيها الجنود المغاربة، بلاء حسنا و تمكنوا خلالها في العام 1963 من أسر ضابط مصري سيصبح بعد سبع سنوات ثالث رئيس لجمهورية مصر العربية، بعيدا عن ذلك، تذكر المصادر التاريخية أن وزير خارجية سوريا الأسبق عبد الحليم خدام التمس من ملك المغرب دعما لخوض حرب ضد إسرائيل في أوائل السبعينات، فكان الملتمس مناسبةً لملك ذكي كالحسن الثاني ليقدم إجابة مختصرة : المغرب ليست لديه أموال لدعمكم، لكن لديه رجال.

و بالفعل فقد أرسل المغرب لواء مدرعا من 6000 رجل بقيادة الفريق عبد السلام الصفريوي و العقيد عبد القادر العلام، رجال سبقتهم شهرتهم إلى ميدان القتال، فقد عمدت الطائرات الإسرائيلية على الجبهة السورية خلال حرب أكتوبر من سنة 1973 إلى إلقاء مناشير على الجنود المغاربة من أجل كسب حيادهم، لكن ذلك لم يفلح، فقد تقدم اللواء المدرع المغربي محررا مناطق كبرى من قبضة إسرائيل، وقدم في سبيل ذلك العشرات من الشهداء، بعد تراجع القوات السورية ورفع الغطاء الجوي عن اللواء المغربي البطل، شهداء خضبوا بدمائهم الزكية بلاد الشام، تماما كما فعل أسلافهم في معركة حطين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد