لماذا وإلى أين ؟

تجزيء الديمقراطية معرقل للتغيير

أحمد عصيد

يعتقد البعض خطأ بأن التركيز على نقد الفساد المالي والإداري واحتكار الثروة، كاف لشحذ الوعي المواطن وبناء الديمقراطية، وهذا خطأ فادح، لأن المجتمع كله يتحدث عن الفساد المالي والإداري واحتكار الثروات، دون أن نخرج رغم ذلك من عنق الزجاجة، والسبب في ذلك أن المجتمع نفسه الذي ينتقد الفساد غارق في كل أنواعه، فالمواطن الذي يستنكر الفساد في تدوينات فيسبوكية، مستعد أن يقدم رشوة أو يأخذها عند أول امتحان، لأن الرشوة صارت سلوكا سائدا بل وطبيعيا، ألم يقل الراحل الحسن الثاني بأنها مجرد “قهوة” ؟

كما أن الذين يُندّدون بالفساد المالي والإداري وبالرشوة لا يحركون ساكنا أمام مشاهد خطيرة تنبئ عن فساد بنيوي معقد يطال الدولة والمجتمع معا، بل إن بعض تلك المشاهد محبطة إلى أبعد الحدود، كمثل مشهد تجمهر عشرات الآباء والأمهات أمام مدرسة، منتظرين خروج إحدى المدرسات لكي ينتقموا منها شر انتقام، لأنها لم تترك أبناءهم يغشون في الامتحان، ورغم أن الأستاذة خرجت تحت حماية رجال الأمن الذين أحاطوا بها لإنقاذها، إلا أنها تعرضت رغم ذلك للطم والنتف مع السب والشتم القبيح، هذه هي حقيقة المجتمع الذي يشتكي من الرشوة والفساد والسرقة، إنه يرعى الغش ويتضامن مع تلاميذ غشاشين سيُصبحون غدا موظفين فاسدين.

هذا الوضع المأساوي جعل الكثير من الأذكياء يبتعدون عن كل ما يغضب المجتمع، ويهتمون فقط بالتركيز على فساد المسؤولين والسياسيين لإرضاء العامة، ولكنهم بذلك لا ينتبهون إلى أنهم يساهمون في ترسيخ بنيات التخلف في مجتمعهم بشكل كبير، عندما يقومون بالفصل بين مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وباقي قيم ومبادئ الديمقراطية، لأن تخلفنا بنيوي ومعقد، كما أن الديمقراطية كل غير قابل للتجزيء.

أتذكر هنا الحزب السياسي الذي قاد حملته الانتخابية قبل عشر سنوات بشعار “محاربة الفساد”، والذي ضغط بقوة بعد توليه رئاسة الحكومة لإجهاض قوانين ديمقراطية تتعلق بمجالات عديدة، فلم يتراجع الفساد، ولا ربحنا قوانين جيدة تحمي حريات المواطنين وحقوقهم الأساسية.

إن المطالبة بمحاربة الفساد وبربط المسؤولية بالمحاسبة، يرتبط أيضا بأهمية إصلاح جذري للتعليم من أجل تأهيل المجتمع والرقي بوعيه، كما يرتبط باستقلال القضاء وفصل السلطات، وبالتوزيع العادل للثروة ومحاربة الفقر، وبسمو القانون واحترام الحريات والمساواة على قاعدة المواطنة، وبفصل الدين عن الأغراض السياسية، وهي كلها قواعد غائبة في بلدنا بل إن بعض محاربي الفساد يتحفظون على بعضها ولا يرتاحون للحديث عنها، وهذا ما يُفسر أن الكثير من المغاربة الذين لا يُحبون كلمات الحرية والديمقراطية والمساواة يُقبلون بنهم على خطاب محاربة فساد الحكومة والأحزاب والبرلمانيين، مع العلم أن كثيرا من هؤلاء الذين يتم نعتهم بالفساد جاؤوا إلى كرسي المسؤولية بدعم من مواطنين صوتوا لهم إما بمقابل أو بسبب روابط قبلية أو عائلية أو غيرها، ما يعني أن دوائر الفساد أوسع بكثير مما يُتداول.

مرة أخرى إن الديمقراطية كل غير قابل للتجزيء، ومن يختزلها في ملف الفساد وحده دون المساواة والحريات وجميع القيم الإنسانية النبيلة إنما يساهم في شرعنة بنيات التخلف القائم، والذي لا مخرج منه إلا بصحوة الوعي المواطن بكافة أوجهه ومستوياته. وهذا بحاجة إلى عمل طويل المدى في التربية والتعليم أساسا، وإلى تأهيل المجتمع وتأطيره.

ولا يعني هذا بأن المجتمع مسؤول عن فساده، فهو ضحية فترات طويلة من الاستبداد الذي

تحول إلى ذهنية سائدة، لكن الإصلاح الجذري لهذا الوضع بحاجة إلى فاعلين يتحلون بالشجاعة الكافية لقول الحقيقة كلها لا بعضها، وللصبر في مواجهة أعطاب السلطة والمجتمع معا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

 

    لغضف علال
    25/05/2022
    23:57

    ما هي انجازاتك انت في محاربة الفساد بعد هذا العمر المديد . مجرد رأي حر ارجو ان لا أتعرض للتنقيط السيئ من طرف التيار المقدس لآراء الاستاذ عصيد

    5
    4
    حسن
    26/05/2022
    00:21

    الحل ليس في الديموقراطية وانما الحل في الاسلام وتقوية الايمان بالاسباب التي شرعها الله سبحانه وتعالى.لأن الإنسان عندما يكون قوي الإيمان تزداد خشيته من الله ومايتنظره بعد الموت .واذا كان الشخص مؤمنا ايمانا حقيقيا فأنه لا يكون فاسدا ابدا وهذا يعني الشعوب والحكام.

    3
    3
    حمورابي
    26/05/2022
    01:33

    الفساد لا يمكن محاربته إلا بالتعليم مؤسس على التربية على المواطنة الحقة. فالتدين سواد مسيحي يهودي إسلامي بودي لا يمكنه ان يوقف الفساد. لا ن الفساد المجتمع هو نتيجة لتربية وعدم تنازل على الحق ومطالبة بالحق مع احترام الحق الاخر. فالدول الاستكنافية ( السويد و النرويج و فرلندا وكندا ) ان كان الفساد غير موجود فبسبب التربية و التكوين والتربية على روح المواطنة واحترام الاخر والكل سواسية امام القانون. اما الدين لا يقهر الفساد فانظروا الي العالم الاسلامي من شرقيه إلى غربه توجد جميع الدول على قمم الفساد و كذلك دول المسيحية لأمريكا اللاتينية.

    2
    0
    حسن
    26/05/2022
    11:02

    احدهم قال الحل في الإسلام حسنا قل لنا هل اسلام البيجيدي ام العدل والإحسان او السلفية بانواعها ام الزوايا ام اسلام ايران او السعودية ام تركيا.
    الحل هو الإسلام مقولة اكل عليها الدهر وشرب واخذ القيلولة وتوضأ.
    احدهم كذلك تساءل عن انجازات الأستاذ عصيد، حسنا هل كلفه بمهمة وحصل على الأجر ولم ينفذها، زمن المغالطات إنتهى….

    1
    2
    حسن
    26/05/2022
    14:21

    جوابا على الشخص الذي تساأل عن نوع الاسلام الذي سيحل مشاكلنا عليك ان ان تعلم أن تفرق بين التدين الأصيل والتدين الايديولوجي .هذه النسخ الموجودة من الإسلام هي اما تدين ايديولوجي كما هو في الجماعات الحركية والسلفية واما تدينا ميتا كالتدين الشعبي والرسمي.اما التدين الأصيل لأول شرط الصدق ثم بعد ذلك ابتغاء وجه الله واليوم الاخر كما قال سبحانه (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر).والتدين الأصيل هو ماجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني علينا بالتزكية الشرعية لكي نخلص نفوسنا من الرذائل وعمارة القلب بالفضائل أما كيف ذلك فعلينا الرجوع الى اهل الذكر الذين هو أطباء القلوب قال تعالى(فاسألو اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون).

    0
    0
    حسن
    26/05/2022
    21:09

    الاسلام لايمثله لا السلفية ولا الجماعات الحركية ولا الفقهاء.انا اقصد الدين الأصيل اليسير الذي جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.التدين الأصيل الذي أساسه الصدق في ابتغاء وجه الله واليوم الاخر قال تعالى(لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر). التدين الأصيل يعني التزكية الشرعية التي تنمي في الإنسان الفضائل وتخليه من الرذائل.قال تعالى (قدافلح من تزكى وذكر إسم ربه فصلى) اما نماذج التدين التي ذكرتها انت فهي ايديولوجيا وشتان بين الدين الأصيل والتدين الايديولوجي.

    1
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد