لماذا وإلى أين ؟

روسيا والصين الحاضر الأكبر في قمة جدة

سعيد الغماز

زيارة الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط لم تكن عادية ولا طبيعية، ومن الطبيعي أن تكون نتائجها تخضع لمقاييس أخرى غير تلك التي اتسمت بها زيارات باقي رؤساء أمريكا لنفس المنطقة ونخص بالذكر زيارة دونالد ترامب للمملكة العربية السعودية سنة 2017. فإذا كانت زيارة هذا الأخير اتسمت بحفاوة مبالغ فيها لكي يُتبث العاهل السعودي أن أمريكا صديق حميم لبلاده وأن الدولة العظمى هي الساهر على أمن البلاد وصيانة ثرواته، فإن زيارة بايدن اتسمت بجفاء مبالغ فيه أيضا وكانت نتائجها غير متوقعة بحيث لأول مرة في تاريخ العلاقات السعودية الأمريكية يوجه القادة السعوديون انتقادات للسياسة الأمريكية اتجاه بلدهم. فماذا حصل وما الذي تغير؟

خلال حملته الإنتخابية وجَّه جو بايدن انتقادات لاذعة للمملكة العربية السعودية بخصوص حقوق الإنسان وحمَّل ولي العهد السعودي شخصيا مسؤولية اغتيال الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي والانتهاكات التي تقع في اليمن، وخلُص إلى أنه سيجعل السعودية بلدا منبوذا. وبعد فوزه في الإنتخابات شرع الرئيس الجديد في تنفيذ وعوده بحيث رفض التحدث لولي العهد السعودي، وشرع في سحب المنظومة الدفاعية التي نشرتها بلاده في عهد الرئيس السابق ترامب وخاصة منظومة “الباتريوت”، كما بدأت بلاده تتدخل في كل ما يتعلق بحقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية.

أمام هذا الواقع الجديد، أصبح القادة السعوديون يشعرون أنهم أصيبوا في كبريائهم وأن ما كانوا يعولون عليه خلال ولاية ترامب من علاقات متميزة مع دولة عظمى تحمي أمنهم وثرواتهم هو مجرد سراب. لم يكن أمام القادة السعوديين سوى التوجه نحو روسيا والصين لتعويض الفراغ الذي خلفه تقليص أمريكا لمستوى تعاونها مع العربية السعودية.

والنتيجة هي أن أمريكا تتراجع عن دعمها لحليفها السعودي، وكل فراغ أمريكي يتم تعويضه بعلاقات جديدة مع روسيا والصين. هذه القوى العظمى وجدت في الخطأ الأمريكي مناسبة سانحة لتعزيز تواجدها في منطقة استراتيجية عالميا هي الشرق الأوسط، وبعيدا عن الخوض فيما يقع في اليمن وعن انتهاكات حقوق الإنسان ومقتل خاشقجي. هذا بلإضافة إلى كون هذين القوتين لهما علاقات كبيرة مع إيران وهو ما يمكن أن تستثمر فيه المملكة السعودية لتبديد مخاوفها مما تُروِّج له أمريكا عن طريق إسرائيل للخطر الإيراني. لتلخيص الأمر نقول إن واقعا جديدا يتشكل في منطقة الشرق الأوسط في غفلة من أمريكا.

لكن ما لم يكن في حسبان جو بايدن قد وقع، وهو حرب روسيا ضد أوكرانيا وما تبعه من أزمة في الطاقة وغلاء في سعر البيترول. ومن سوء حظ الرئيس الأمريكي هو أن هذه الأحداث وقعت على مشارف انتخابات الكونغريس الأمريكي وهو ما سيحعل بايدن مهدد بأن يفقد أغلبيته في الكونغريس إن لم يستطع تخفيض أسعار الطاقة. وبطبيعة الحال ستكون الوجهة هي العربية السعودية لأنها أكبر منتج لهذه المادة الحيوية، والذي يقرر في هذا الموضوع هو ولي العهد سلمان، وهو الرجل الذي رفض بايدن التحدث معه.

الصعود الاقتصادي والعسكري الذي حققته كل من روسيا والصين، جعل هيمنة القطب الواحد تتقلص ويتراجع دورها. كما أن هذا التراجع جعل العديد من الدول تعمل على تخفيض تبعيتها للولايات الأمريكية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية علما أن هذا التوجه لم يكن يوما ما خيارها وإنما دُفعت له دفعا من قبل حليفها الاستراتيجي.

ما تعرضت له العربية السعودية من حكومة بايدن جعل منسوب الثقة بين البلدين يتراجع بشكل كبير وهو ما يفسر النتائج الضئيلة التي تمخضت عنها قمة جدة. لقد عمدت إدارة بايدن إلى توسيع قمة جدة لتشمل إلى جانب العربية السعودية البلد الرئيسي المستهف بهذه الزيارة، بلدان دول مجلس التعاون الخليجي ودول أخرى تم استدعائها فقط لتأتيث المشهد ولرفع الحرج عن بايدن حين لقائه المباشر مع ولي العهد محد بن سلمان.

قبل القمة قامت الإدارة الأمريكية بالترويج لثلاثة ملفات جعلت منها الأهداف الرئيسية لهذه الزيارة: زيادة انتاج السعودية من الطاقة، إقامة حلف للدفاع المشترك سمته بالناتو العربي ضد الخطر الإيراني وأخيرا تعزيز اندماج إسرائيل في المنطقة من بوابة التطبيع مع المملكة العربية السعودية.

هذه الأهداف الثلاثة كلها مرتبطة بالمملكة العربية السعودية وببعض دول الخليج العربي، واستدعاء ثلاثة دول عربية هو فقط لتأثيت المشهد وإيهام الرأي العام الأمريكي بأهمية القمة في حال كانت نتائجها غير مرضية للجانب الأمريكي. إذا كان حضور بعض الدول العربية هو فقط من أجل الاستئناس ليس إلا، فإن روسيا والصين كانتا حاضرتين بقوة في

هذه القمة وإن بشكل غير مباشر، بل أكثر من ذلك فإن هذا الحضور المعنوي لهاتين القوتين هو المحدد الرئيسي في نتائج قمة جدة.
بخصوص النقطة الأولى في الأهداف المعلنة لهذه الزيارة، كان رد السعودية ودولة الإمارات هو أن تحديد نسبة الانتاج وقيمة سعر البرميل من البترول ليس من اختصاص الأوبيك لوحدها وإنما من اختصاص الأوبيك زائد روسيا أو ما يُصلح عليه بالأوبيك بلوس. وهو ما يعني أن أمريكا، مع تعزيز موقع روسيا والصين في الشرق الأوسط، فقدت قدرتها على الضغط على هذه الدول لرفع سقف انتاجها كما كانت تفعل في الماضي. بخصوص الهدف الثاني لزيارة بايدن المتعلق بما أسماه الناتو العربي ضد إيران، فإن دول الخليج بزعامة السعودية والإمارات رفضت الدخول في أي تحالف مع إسرائيل ضد أي بلد آخر ولو كان إيران. كما أن وزير خارجية السعودية صرح في ندوته الصحفية أن المفاوضات المباشرة جارية مع إيران وأن يد المملكة ممدودة للإيرانيين من أجل استتباب الأمن في المنطقة. الإمارات هي الأخرى أعلنت خلال القمة أنها ستبعث بعثة ديبلوماسية إلى إيران.

وبخصوص تعزيز اندماج إسرائيل في المنطقة فقد كان رد السعودية واضح بأن أي مطلب أمريكي يجب أن يقابله ثمن تستفيد منه دول المنطقة. لم تكتف العربية السعودية بالرد فقط، بل عملت على إبراز هذا التوجه الجديد في علاقتها مع أمريكا. فهي لم تسمح بفتح مجالها الجوي أمام الطيران الإسرائيلي إلا بعد أن أخذت الثمن الذي طلبته، وهو الإقرار بالسيادة السعودية على جزيرتي تيران وصنافير الواقعتين في مدخل خليج العقبة، وبتعهد أمريكا بسحب قواتها من الجزيرتين مطلع السنة القادمة.

لقد تمخض عن قمة جدة واقع جديد ساهم فيه الحضور الغير المباشر لروسيا والصين كقوتين عُظمتين عززتا تواجدهما في منطقة الشرق الأوسط التي ظلت لعقود حكرا على الولايات المتحدة الأمريكية، تصول وتجول فيها كيفما أرادت. هذا الواقع، جعل من المملكة العربية السعودية تتجرأ على حليفها الإستراتيجي وتتحدث، بجرأة غير مسبوقة، عن أخطائه لأول مرة في تاريخها بتذكير الرئيس الأمريكي بما حدث في سجن أبو غريب خلال الحرب ضد العراق. كما أن وزير خارجية المملكة العربية السعودية تحدث في المؤتمر الصحفي بعد انتهاء قمة جدة، بجرأة فاجأت العديد من المتتبعين لشؤون المنطقة وبمنطق الند للند. ومن بين ما قاله الوزير هو أن لأمريكا قِيَّمُها كما أن للسعودية قِيَّمُها، وعلى الرئيس الأمريكي احترم هذه القيم تفعل المملكة العربية السعودية.

هكذا يبرز لنا جليا الحضور الغير مباشر للقوتين العالميتين روسيا والصين في قمة جدة. لقد أدركت أمريكا أنها أمام واقع جديد في الشرق الأوسط لم تعد هي اللاعب الوحيد فيه، فهناك روسيا والصين. كما أدركت أن المنطقة لم تعد مستعدة لمنطق التبعية المطلقة لأمريكا، وإنما أصبحت منطقة تعرف ما تريد وكيف تحقق ما تريد وأن لكل تنازل ثمن يجب أن تدفعه أمريكا. وهو ما صرح به بكل وضوح وزير الخارجية السعودي في مؤتمره الصحفي.

الأكيد أن أمريكا ستكون لها كلمتها في ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من تغيرات ومن تعزيز وجود قوى أخرى منافسة. فكيف سيكون رد فعل القوة العظمى الأولى عالميا؟

وكيف سيكون موقف روسيا والصين؟ وإلى أي مدى ستستطيع المملكة العربية السعودية الصمود في سياستها الجديدة أمام الضغوطات الأمريكية؟

هذا ما ستجيبنا عنه الأيام القادمة التي بالتأكيد ستكون حبلى بالمعطيات والمتغيرات؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد