لماذا وإلى أين ؟

حملة الشهادات العليا وعائق الخبرة المهنية!

اسماعيل الحلوتي

على غير العادة قادتني الظروف إلى إحدى المقاهي، وهناك أخذت مكاني بالقرب من شخصين لا أعرفهما، حيث أنني وبعدما طلبت قهوتي أثارني حوار ساخن يجري بينهما، فأخفيت رأسي بين أوراق الجريدة وأرخيت أذني لإصاخة السمع إليهما. قال أحدهما بنبرة حادة: “فينما تتحط يديك تتشعل فيها العافية يا ربي السلامة، كلشي زادو فالثمن ديالو ماشي غير ليصانص والمازوط، ما بقينا عارفين فين غاديا بنا هاذ الحكومة”، فكان أن رد عليه صاحبه متذمرا هو الآخر: “يا ودي كون غير كانو كيزيدو فالأسعار ويصلحو التعليم والسبيطارات ويخدمو أولادنا اللي بالدبلومات ديالهم وما لقاوش الخدمة المناسبة”

وبالفعل ليست وحدها موجة غلاء الأسعار المتصاعدة التي ما فتئت تقوض القدرة الشرائية للأسر الفقيرة والمتوسطة، هي ما يقلق راحتها ويقض مضاجعها، بل هناك كذلك معضلة البطالة وهي الأخطر، فهي كثيرا ما تصاب بخيبة أمل كبرى لاعتقادها الخاطئ بأن حصول أبنائها على شهادات عليا، كفيل بأن يضمن لهم فرص عمل مرموقة. كيف لا ومعدلات البطالة في أوساط حاملي الشهادات العليا في تزايد مستمر خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد هناك بيت يخلو من وجود عاطل أو عاطلة على الأقل؟

ففي هذا السياق كشفت المندوبية السامية للتخطيط في إحدى مذكرتها الإخبارية برسم سنة 2022، عن معطيات رسمية تشير إلى أن معدل البطالة في صفوف الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 15 و24 سنة، يصل إلى 61,2 في المائة بالنسبة لحاملي الشهادات العليا، و30,4 في المائة لدى ذوي الشهادات ذات المستوى المتوسط، و12,9 في المائة عند الشباب بدون شهادات، وما إلى ذلك من الأرقام الصادمة.

حيث هناك اليوم أعداد غفيرة من الخريجين الذين يوجدون في وضعية بحث عن فرصة عمل منذ سنة أو أكثر من تخرجهم. والأدهى من ذلك أن القلة القليلة منهم هي فقط من تحظى أحيانا بفرص تدريب في مجال تخصصهم لدى بعض مؤسسات القطاع الخاص أمام انعدام إمكانية العمل المباشر، بسبب تجميد الكثير من مباريات التوظيف في القطاع العمومي وتوقف حركة الاقتصاد في المغرب كما هو الحال في باقي دول العالم، على إثر تفشي جائحة “كوفيد -19” ما بين 2020 و2022، إذ يتعرض الكثير من حملة الشهادات قدامى وجدد لعدة صعوبات وعقبات تحول دون تشغيلهم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر عدم اعتراف المجتمع بالكفاءات والاستحقاقات أمام سيادة الوساطة والمحسوبية والرشاوى…

وفضلا عما يعترض حملة الشهادات العليا من صعاب في ولوج سوق الشغل بما يلزم من سلاسة، باعتبار الشغل حق من حقوق الإنسان الذي يكفله دستور البلاد والمواثيق الدولية، ومنه قلة مناصب الشغل، خاصة بعدما أصبحت الوظيفة العمومية تستقبل نسب ضئيلة من خريجي الجامعات، إلى الحد الذي نجد فيه بعض الإدارات تلجأ أحيانا إلى فتح مباراة لتوظيف شخص أو شخصين فقط في غياب تكافؤ الفرص، كما أضحت بعض الوظائف تورث لأبناء أو أقارب عدد من المسؤولين عند إحالتهم على المعاش…

فهناك أيضا عائق آخر لا يقل تأثيرا عما سبقه من المثبطات والعراقيل، باتت معه آفاق المستقبل مسدودة والطريق شاق ومظلم أمام آلاف الباحثين عن الشغل من ذوي الشهادات العليا، ويتعلق الأمر هنا بالخبرة المهنية حتى في التخصصات ذات الارتباط الوثيق بسوق الشغل، من قبيل التجارة وتنمية المعلوميات وغيرها، حيث أنه كثيرا ما يصطدمون بإعلانات التشغيل تتضمن من بين شروط الترشيح، التوفر على خبرة مهنية غالبا ما لا تقل عن سنتين في ذات التخصص، مما يؤدي بهم إلى التذمر والشعور بالإحباط. فمن أين لهم بالخبرة المهنية وهم الذين رغم محاولاتهم الجادة، لم تمنح لهم فرصة الاستفادة ولو بفترة تدريب وجيزة في مجال تخصصهم لدى القطاع الخاص حتى بدون مقابل مادي؟

إن اعتماد عديد المؤسسات في القطاع الخاص شرط الخبرة المهنية ضمن الشروط المراد توفرها لدى الباحثين عن العمل في مجال تخصصهم، يعد من بين العوامل المحبطة لهم ولاسيما بالنسبة للجدد وكل أولئك الذين لم تسعفهم الظروف لسبب أو آخر في الظفر بفرصة عمل من قبل. وهو ما يشكل عائقا كبيرا يصعب إزاحته، إن لم يكن بمثابة حكم بالإعدام المعنوي، ويفرض عليهم الاتجاه للعمل في مجالات أخرى لا تتلاءم مع مؤهلاتهم أو يضطرهم إلى الهجرة بحثا عن لقمة عيش نظيفة خارج الحدود، مما يكبد الدولة نفسها خسارة فادحة وعدم الاستفادة من هذه الفئة التي ينطبق عليها القول “يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر” لما قد يتوفرون عليه من قدرات ومهارات، تستدعي فسح المجال أمامها لإبرازها.

وإذا كان ضروريا تأهيل حملة الشهادات لولوج سوق الشغل، فإن حكومة أخنوش مدعوة إلى مراجعة السياسات والأنظمة المعتمدة في التشغيل وخاصة في القطاع الخاص، والانكباب على ابتكار أساليب حديثة لمعالجة ملف التشغيل الذي فشلت في تدبيره الحكومات السابقة، وحماية هذه الطاقات الشابة من الضياع. كأن تتم مثلا برمجة تداريب ميدانية لجميع التخصصات في السنة الختامية بالجامعات، أو يساهم المشغلون في تنمية المجتمع بتوفير أطر مدربة بكلفة أقل ونجاعة أكبر مقابل أن تمنح لهم امتيازات خاصة، من خلال تقديم خدمة التدريب المجاني أو المؤدى عنه، على أساس احتساب فترة التدريب في إطار خبرة مكتسبة، تعزز حظوظ العاطلين عن العمل في التشغيل.

الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x