لماذا وإلى أين ؟

كفانا تخوينا وتشكيكا في وطنية الناس

شريف بلمصطفى
تخيل أن وطنا بحجم المغرب بكل حبة رمل فيه وبكل جباله وسحره ومآسيه وفساده وتلاحمه وفقره ومظاهراته وحفلاته وطرقاته ولصوصه وأسواقه وطبخه ونشيده الوطني وجنوده ومساجده ومعماره… تخيل أن كل هذا يسكن فيك!
نعم كل هذه الاشياء العظيمة تسكن داخلك، وتخترق أفكارك بين الفينة والاخرى، وتزعزع فيك ذاك الشريان الذي لا يفكر سوى في المغرب…
فالمغاربة نوعان، نوع يسكن في المغرب، ونوع يسكن فيه المغرب، وهنا أتحدث عن كل مغترب في بلاد أخرى… انظر إلى عيون لاعبي المنتخب لحظة فوزهم بالمباراة الأخيرة، هل تساءلت عن سبب تلك الفرحة؟ هناك من سيقول أن السر وراءها هو كتابة التاريخ واحراز كأس العالم ونيل الجوائز النقدية… واهٍ من يقول هكذا، تلك الفرحة يا سادة يا كرام هي نفسها التي شعرتُ بها أنا في بلاد ونفسها أيضا شعر بها مغربي آخر في أقصى العالم..هي خليط الحب والصلابة والتحدي..
اعتبروني “عياشاً” أو “كائنا زليجيا” اعتبروني ما شئتم، لكن صدقوني، حب المغرب لا يمكن مقارنه بأي عشق آخر، هو ذاك البلسم الذي يعطيك ترياق الحياة في لحظة موت، ويرسم البسمة على وجهك في لحظات الشجن… هو تلك الراحة النفسية التي تسلل إلى عقلك وسط الضجيج والازبال والجرائم..هو مذاق رفيسة أمك يوم الخميس وكسكسها يوم الجمعة ورائحة سانيكروا التي تُشعِرُك بالحب عندما تطأ قدمك باب المنزل عند الظهيرة..
أعرف مغربيا هنا، قضى ازيد من عشرين سنة من التغرب، دون أن يحقق شيئا في حياته، لا منزل لا دخل قار لا أبناء لا زوجة .. فقط لا شيء، لكنه أخبرني بأنه سيعود للمغرب بعد أن فشل في بناء حياة كريمة نظرا لأخطائه المتكررة وهفواته العديدة…هنا تأملت كثيرا فاكتشفت أن الوطن غفور رحيم، هو الوحيد الذي سيستقبلك فاتحا صدره ليغمرك بحبه…المغرب هو وشم رُسم في قلوبنا وأجسادنا بدون حِبر.. هو توحيمة أمك التي ترافق جسمك النحيل حتى تقضي نَحبَك…
لو كنت قائد أمة؛ لجمعت اللاعبين وقلت لهم: “إن كنتم تريدون التأهل للدور الثاني فلا تتعبوا أنفسكم، سأمنحكم الجائزة المالية واجلسوا في بيوتكم لا نريد هذا التأهل.. نحن المغاربة نريد كأس العالم..”
نعم يبدو الأمر مضحكا، لكن نحن المغاربة، لا ترهبنا الحروب والملاحم، ولن تثنينا أية قوة عن المضي قدما، لأن الفرق بيننا وبين الشعوب الأخرى، أن إحساس الوطنية يلغي كل المشاعر النرجسية والانانية.. وأنت تصرخ فرحاً فتلك صرخة أربعين مليون مغربي وأن تبكي حزنا فذاك أنيننا جميعاً..
مناسبة كل هذا الحديث، هو تذكرت يوم أخذ الكثيرون في تخوين والتشكيك في وطنية بعض اللاعبين، ورميهم بعبارات جارحة .. المشكل هنا أن من يقول كل هذا الكلام يسكن في المغرب، يقوله عن مغربي “يسكن فيه كل المغرب”، يسكنه هذا الوطن بكل تفاصيله، كيف لا و حكيمي يرى أمه بجلابتها وفولارها وأظافره المحمرتين بالحناء و الأخاديد التي تخترق وجهها بعد أن عاشت نصف قرن وهي تحاول إطعام ابنها وتعليمه والسهر على راحته. لماذا؟ هل سألت لماذا؟ من أجل تمثيل المغرب وتشريفه وإعلاء صورته…حتى وان اختار بلدا آخر فشوكة المغرب مغروسة في ثنايا قلبه، وسيعود يوما ما ليحتضن تلك التربة الطاهرة..
يا هذا، كفاك تخوينا وتشكيكا في وطنية الناس، والمغاربة بالخصوص، مهما بلغ سخطهم ومهما تدهورت أوضاعهم ورغم الكره الذي يكِنونه لناهبي المال العام ورغم الفقر والحاجة، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالوطن فأنت تفتح باب الجحيم على نفسك..
لم نعش ملاحم كبيرة في جيلنا، أقصد الحروب المسلحة والمواجهات المباشرة مع عدو آخر، وباتت حياتنا رتيبة لم نختبر فيها وطنيتنا وحبنا لبلاد الطاجين، وكان كثير منا في استطلاعات الرأي يقول أنه غير مستعد للدفاع عن وطنه إذا جاء العدو…
لكن هل رأيت تلك الطفلة المُقعدة على كرسي متحرك، هل رأيت فرحتها وكيف حاولت الوقوف لتتحدى جسدها العليل، فرغم أنها لا تجد الولوجيات في المغرب وغياب عناية طبية ومتابعة دراسية دقيقة إلا أن ذلك لم يحرك في حبها لبلدها شيئا، وأكاد أجزم أنها في تلك الحالة قادرة على حمل السلاح وصد العدو وإن كلفها ذلك روحها…
كأس العالم، هو فرصة لتجديد دماء حب الوطن، ليس فقط إحياء هذا الشعور عند تسجيل الهدف، بل من أجل تلقين هذا العشق لأبنائنا وتلقينهم أحسن تربية وتكوين وتعليم لتشريف بلدهم، وجعل علمه خفاقا في كل بقاع الكون…
المغرب أولا … المغرب أخيرا
0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم
3 تعليقات
الأكثر تصويتا
أحدث أقدم
Inline Feedbacks
View all comments
مواطن
1 ديسمبر 2022 12:24

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم حب الأوطان من الإيمان. من ينتقد حب أي شخص للمغرب وينعته بالعياشي ووو فأنت خارج السياق والدين ووو أنا أعرف الكثير منهم فحتى الصلاة لا يصلونها وتجدهم يتحدثون عن فساد الدولة وظلمها ووو هههههههه

ام هاجر
1 ديسمبر 2022 10:08

يا سلام شكرا لك كفيت ووفيت ايها الكاتب تحليل رائع وشعور أروع أعطيت درسا كبيرا لخونة العواطف والمشككين فالبلد مثل الام تقبلها بكل ايجابياتها وبكل مساوءها بلادي وان جارت عليا عزيزة

Moh
1 ديسمبر 2022 04:49

مقال من مطلعه طلع اعوجا …اطناب وحشو وافكار مركبة بالمطرقة فبدت افكارا غبر مترابطة بل هي مجرد شظايا افكار

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

3
0
أضف تعليقكx
()
x