لماذا وإلى أين ؟

في نقد الخطاب الاستقطابي تجاه مغاربة المهجر

امحمد لقماني 

هل الدعوة إلى الاستفادة من الكفاءات المغربية في المهجر، دعوة جدية و تقع ضمن مشروع واضح للتقدم ؟ سؤال يفرض نفسه بعد أن باتت هذه الدعوات متواترة في الفترة الأخيرة، سواء في الخطاب الرسمي  أو في تقارير و توصيات مجلس الجالية. أما سبب ذلك على ما يبدو، فهو بروز الحاجة الملحة إلى خدمات و خبرات مغاربة المهجرللاستفادة منها دعما للمجهود التنموي بالبلاد.

قد يقول قائل بأن هذا الخطاب الجديد يتوخى تصحيح طبيعة التعامل السابقة مع فئة من المغاربة كانوا منسيين. وعموما فهذا الاهتمام المتزايد بالكفاءات المغربية المغتربة، جاء ليستبدل خطابا متجاوزا كان يتسم  تارة بشحنات عاطفية تنظر الى مغاربة المهجر من زوايا الانتماء و الارتباط الهوياتي بالوطن الأم، و تارة أخرى لدورهم الفعال في إنعاش خزينة الدولة من العملة الصعبة، و في أحايين أخرى  للأدوار الضاغطة التي يقومون بها في بلدان إقامتهم،  دفاعا عن قضايا بلدهم الأم.

هذا الخطاب الجديد ( فيما أرى )، بدأ ينحو منحى التكيف الاضطراري مع الإكراهات و الظروف الاقتصادية الجديدة التي تمر منها البلاد و حاجتها القصوى إلى قدرات و خبرات ذات قيمة مضافة عالية، وتخضع لمعايير دولية و لمواصفات عالمية كتلك التي راكمها مغاربة المهجر في بلدان المنشأ أو الإقامة. لكن حري بنا أن نفحص مدى صدقية و جدية هذا الخطاب على محك السياسات العمومية المتبعة في هذا المجال، و فيما إذا كان التعامل مع مغاربة المهجر ، موسميا و انتقائيا، يهتم فقط بالعوائد المالية من العملة الصعبة و  باستقطاب المستثمرين من أصحاب رؤوس الأموال و المقاولين الناجحين في بلدان الإقامة، و ذلك في مقابل عدم الاهتمام بالنوابغ و العلماء و الباحثين في مختبرات العلوم و التكنولوجيا العالمية، ذات القيمة المضافة العالية جدا.

أغلب هذه الأدمغة و الكفاءات المغربية، أصبح لها شأن و قيمة لما وطأت أقدامهم اراضي دول المهجر، خاصة في دول الغرب الامريكي و الاوروبي حيث كان الإيمان بأفكارهم و مقدراتهم، و مواكبة طموحاتهم بكثير من الدعم و التشجيع و العناية و الرعاية، ضمن فضاءات رحبة من الحرية في البحث و الابتكار التي تشجع على العطاء و الانتاج، سواء في مختبرات البحث العلمي و التكنولوجي أو في مجال الاقتصاد و عالم المال و الاعمال، بل و حتى في مجال السياسة و الرياضة.

الاستعاضة عن الخبراء الأجانب ذوو التكلفة الباهضة بكفاءات مغاربة المهجر في عملية التنمية، هي بلا شك سياسة ذكية تجد ما يعززها في رابطة الانتماء للوطن الأم ، لكنها تصطدم حتما بصعوبة إدماجهم في سيرورة التقدم بسبب غياب رؤية وسياسات واضحة لعملية الإدماج، ثم بسبب ضعف البنى الارتكازية الاستقطابية. و هنا يجب التمييز بين التنمية و التقدم، الذي هو عينه الفرق بين التحديث و الحداثة. فإذا كانت عملية التحديث تنتج التنمية، فالحداثة تصنع التقدم، بل هي نفسها التقدم حين يمس جميع مناحي حياة المجتمع و يعكس  وجود مشروع مجتمعي واضح و مشفوع بإرادة سياسية صلبة.

و معنى ذلك أن الحداثة هي عملية تأصيل لا تتوقف، تروم استنبات عناصر التقدم في التربة الداخلية للبلاد عبر توفير البنى التحتية ، العلمية و الثقافية، لعملية الإنتاج و الابتكار، لتغدو ممانعة و قادرة على الصمود و المنافسة و التطور. أما التحديث، فقد يكون عبارة عن حداثة مستوردة( رغم استحالتها التاريخية) أو حداثة القشور كما سماها المفكر محمد أركون، لأن مستوى التنمية الذي قد يبدو تحقق في لحظات تاريخية معينة، قد يصاب بالخلل أو الشلل بمجرد توقف خطوط الإمداد من الخارج أو ما بات يعرف بسلاسل الانتاج والقيم العالمية، سواء في السلع أو الخدمات أو الخبرات. و بجملة واحدة، قد ندعي الحداثة حين تنجح سياسة الدولة في الانتقال من فكرة الاكتفاء الذاتي في الاستهلاك إلى تأكيد السيادة الكاملة على عناصر الانتاج.

و عودة إلى الموضوع، فالخطاب حول استقطاب الكفاءات المغربية في المهجر، يبقى خطابا سياسيا و عاطفيا أكثر منه خطابا واقعيا و جديا، طالما أن المنظومة  الحالية للإنتاج ليست مؤهلة للادماج الكلي لهذه الكفاءات، بما أنها هي نفسها المنظومة  التي كانت سببا رئيسيا في هجرة الادمغة المغربية خارج الديار حيث تتلقفها و تتنافس من اجل استقطابها الشركات العالمية و الهيئات الحكومية القوية . أليس هذا ما يحصل في الواقع حين يهجر البلاد سنويا الآلاف من الأطباء و المهندسين و المخترعين و الباحثين في المختبرات العلمية ؟ أليس مخيفا تلك الهجرة الكبرى نحو الشمال للطلبة المغاربة ؟ أليس مخجلا تلك النسبة الهزيلة لميزانية البحث العلمي من الناتج الداخلي الإجمالي؟ أليس مؤسفا أن الجامعة المغربية خارج تصنيف افضل الجامعات العالمية في البحث العلمي؟ أليس عيبا أنه بعد 67 سنة من استقلال البلاد لا زلنا نتكلم عن إصلاح التعليم و مدرسة الجودة ؟

حين نوقف هذا النزيف و نعقد  العزم على بناء منظومة التقدم بكل شروطها الأخلاقية و السياسية، و بنياتها الارتكازية، البشرية و الثقافية و المادية، آنداك فقط ستعود جميع الكفاءات المغربية المغتربة إلى الوطن و بشكل طوعي، حتى بدون الحاجة لأي خطاب استقطابي.

الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم
1 تعليق
الأكثر تصويتا
أحدث أقدم
Inline Feedbacks
View all comments
FOOTOIR
2 ديسمبر 2022 10:00

Si les dirigeants marocains ont une vision frontière du Maroc limité, c’est une erreur,les grandes puissances ont ont outre passé leurs frontières et ramener la richesse.Avec Le nouveau monde , le nouveau Maroc doit voir ses frontières s’arrêter là ou il y a des MRE “ambassadeurs naturels”…il faut investir dans les énièmes générations gagnants-gagnants

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x