لماذا وإلى أين ؟

“النفاق السياسي وقلة الحيا” في رد البيجيدي على الديوان الملكي

كما كان مرتقبا، قدم حزب العدالة والتنمية، ردا على بلاغ الديوان الملكي الذي “وبخ” ذات الحزب على خلفية بيان لأمانته العامة، حيث اعتبر بلاغ الديوان الملكي، بعض ما ورد فيه ” استغلالا للسياسة الخارجية للمملكة في أجندة حزبية داخلية يشكل سابقة خطيرة ومرفوضة”.

الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية افتتحت بلاغها بالتعبير عن كون الحزب” تلقى بكل ما يليق من تقدير، ما صدر عن الديوان الملكي، باعتبار “مكانة جلالة الملك وانطلاقا مما يكنه الحزب لجلالته من توقير واحترام”.

لكن ما عبر عنه “البيجيدي” ستنسفه عبارة “مسمومة” دسها في بلاغه، تعبر عن “قلة الحيا” في مخاطبة الملك وتقدير مكانته، باعتباره رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها.

فعندما قال البيجيدي في تعقيبه على بلاغ الديوان الملكي ” إن الحزب لا يجد أي حرج في تقبل ما يصدر عن جلالته من الملاحظات والتنبيهات، انطلاقا من المعطيات المتوفرة لديه”، فماذا كان يقصد بعبارة “المعطيات المتوفرة لديه؛ خاصة إذا علمنا أن لديه تعود على شخص الملك بشكل مباشر؟

ما قد يفهم من العبارة الواردة في تعقيب البيجيدي أن “الملك أصدر بلاغا انطلاقا مما تم إيصاله إليه من معطيات غير كاملة، أي بناء على السماع من أشخاص وفقط”، علما أن بلاغ الديوان الملك يعقب بطريقة مباشرة على فقرة محددة في بلاغ منشور للعموم ولا يتحدث عن وقائع وأحداث مجهولة وصلت الملك بخصوصها تقارير .

بل الأكثر من ذلك، فأن تخاطب الملك بالقول: إنك لا تجد حرجا في “تقبل ما يصدر عن جلالته من الملاحظات والتنبيهات انطلاقا من المعطيات المتوفرة لديه”، يعني أن حزب العدالة والتنمية يعتبر أن الملك يوجه ملاحظات بناءً على معطيات غير كاملة، وهو ما سيجعل هذه الملاحظات غير متوازنة بالضرورة؛ بل غير صائبة !!

ومن جهة أخرى إن كان البيجيدي يعتبر أن ما ورد في بلاغ الديوان الملاكي “ملاحظات و”تنبيهات صادرة عن جلالة الملك”، فلماذا كل هذا “التقلاز” عبر بيان كله رسائل مسمومة ومفخخة، يحاول من خلاله أن يبين أن بلاغ المؤسسة الملكية وجَّه له تهما، لا ملاحظات وتنبيهات، كما قال في بلاغه وأنه مضطر لنفيها، وأن بلاغ الديوان غير دستوري، لأن بلاغ الحزب هو الذي احترم ما يخوله الدستور والقانون للأحزاب من صلاحيات.. إلخ. فهل بهذا الشكل تعبر عن الاحترام الواجب للملك؟

الاحترام الواجب للملك يقتضي أيضا الوضوح معه في الموقف، بخصوص القرارات التي يتخذها أو يشرف عليها، وليس التعامل معها بـ”المراءاة والنفاق السياسي”، وكمثال على ذلك إعطاء موقف واضح من قرار المملكة المغربية استئناف علاقاتها مع دولة إسرائيل، لا أن يتم توظيف الموقف من هذه القضية حسب موازين القوى، واستعماله وفق أجندة الحزب وموقعه في المشهد السياسي.

فموقف “البيجيدي” من “التطبيع”، حسب بلاغه الأخير يقول: بـ”رفض التطبيع”، وأنه “يعبر عن هذا الموقف باستمرار وفي كل مناسبة عبر مؤسسات الحزب وهيئاته”، لكن الواقع يقول غير ذلك. .كيف؟

معلوم أن حزب العدالة والتنمية وأمينه العام السابق هو من وقع على الاتفاق الثلاثي لاستئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل، وهنا قد يقول قائل إن الأمين العام للبيجيدي، سعد الدين العثماني وقع بصفته رئيسا للحكومة، ولنقل إن من وقع الاتفاق الثلاثي هو رئيس الحكومة، وليس الأمين العام لـ”البيجيدي”، رغم أن الصفة السياسية لا تنتفي بالصفة الحكومية، لكن بعد التوقيع، هل أصدر هذا الحزب بلاغا لأمانته العامة يعلن فيه، جهارا نهارا، رفضه لهذا الاتفاق، وتبرؤه منه؟ أعتقد أنه لا توجد أي وثيقة صادرة عن الحزب في الأسابيع القليلة التي تلت التوقيع على ما يصفونه بـ”التطبيع” أعطى من خلالها موقفا واضحا وصريحا يرفض التطبيع بالشكل الذي عبر عنيه في بلاغه الأخير.

في المقابل، و على عكس القيادة، فإن قواعد البيجيدي التي تربت داخل الحزب، وقبله في جناحه الدعوي، على مبدأ رفض “التطبيع مع الكيان الصهيوني” واعتبار ذلك “خيانة وطعنة في ظهر الشعب الفلسطيني المقاوم وخذلانا للإجماع العربي في موقفه الموحد ضد الاحتلال الصهيوني”، لم تصمت، وعبرت عن رفضها للاتفاق بشكل صريح، خاصة وأن الموقع عليه هو سعد الدين العثماني، أمينها العام، بل طالبوا بإستقالة الأخير، فجاءهم الرد سريعا ومن حيت لا يحتسبون، من زعيمهم الوطني والأب الروحي للحزب، عبد الإله بنكيران، وهنا كان الموقف الأول من التطبيع بعد التوقيع على الاتفاق الثلاثي.

فرد عبد الإله بنكيران، الذي خرج يدافع عن سعد الدين العثماني بعد الانتقادات الواسعة واللاذعة التي تعرض لها، كان واضحا في دفاعه عن هذا الاتفاق، وذلك من خلال رفض مطالبة العثماني بتقديم الاستقالة، بعد توقيع الاتفاق الثلاثي، لأن ذلك بحسبه ” ليس هو العدالة والتنمية الذي يعرف”، معتبراً أن “الحزب ليس حزبا عاديا، بل عضوٌ أساسي في بنية الدولة، ويتخذ القرار في القضايا المصيرية”.

بل الأكثر من ذلك، اعتبر بنكيران، وهو يوجه كلامه لأعضاء وقواعد “البيجيدي” والمتعاطفين معه، وعبره لكل المهتمين والمتتبعين للموضوع، (اعتبر) أن “أي كلام ضد العثماني بعد توقيعه للاتفاق الثلاثي “يدخل في سياق التخلي عن الدولة، وهو ما لا يمكن أن يحدث اليوم، لأننا في معركة خارجية، ولا يمكن أن نتخلى عن الدولة”، بحسبه.

الموقفان اللذين عرضناهما يظهران التناقض في موقف “بيجيدي” الحكومة و”بيجيدي” المعارضة، وبينا أن نفس القيادي الذي خرج يدافع عن التوقيع على اتفاق “التطبيع” وينْهى عن مطالبة موقعه بالإستقالة، هو نفسه الذي خرج اليوم ليقول إنه يرفض التطبيع، بل الأكثر أن ذات القيادي والزعيم الحزبي الذي دافع عن الدولة وطالب بعدم التخلي عنها هو من خرج اليوم، وفي مناسبات مختلفة، آخرها بلاغ أمانته العامة، موضوع بلاغ الديوان الملكي، يتهم الدولة بدعم سياسة تقتيل الفلسطينيين، من خلال اتهام ناصر بوريطة، المسؤول عن تنفيذ هذه السياسة بذلك.لكن، هل يعني هذا منع انتقاد ومحاسبة بوريطة؟

“البيجيدي” يقول إن بلاغه السابق يأتي في “سياق تفاعل الحزب المباشر مع تصريحات وزير الشؤون الخارجية، باعتباره عضوا في الحكومة، يخضع كباقي زملائه في الحكومة، للنقد والمراقبة على أساس البرنامج الحكومي.

وما يفهم من قول البيجيدي أنه انتقد عمل فرد من أفراد الحكومة، ولم ينتقد السياسة الخارجية التي يشرف عليها الملك، أي أنه يفصل ما بين بوريطة، المسؤول الحكومي عن السياسة الخارجية، وبين السياسة الخارجية للمؤسسة الملكية، دون أن يحدد لنا كيف يفصل بين الأمرين وأين تقف السياسة الخارجية للملك وتبدأ السياسة الخارجية لبوريطة؟ ودون أن يقول لنا لماذا لم تصدر بلاغات للديوان الملكي في من ساءلوا بوريطة بالبرلمان عن السياسة الخارجية؟

عكس ما ذهب إليه بلاغ “البيجيدي” التبريري، وعلى خلاف ما بدا للكثير ممن أدلوا بدلوهم في هذه القضية، لم ينتقد الحزب بوريطة المسؤول الحكومي، وإنما حاول “شيطنة” السياسة الخارجية للمملكة المغربية وإظهارها بمثابة السياسة المدافعة عن سياسة الدولة الإسرائيلية التي تُقتل الشعب الفلسطيني، من خلال ربطه (الحزب) دفاع بوريطة عن “الكيان الصهيوني”، بزمنٍ و توقيتٍ “يواصل فيه هذا الكيان عدوانه الإجرامي على الفلسطينيين “، بحسب نص بلاغ “المصباح”، أي أن السياسة الخارجية للمغرب تدافع عن كيان يشن عملا إجراميا على الفلسطينيين؟

البيجيدي بقيادة بنكيران، في موقعه الحالي، يريد أن يسترد وهجه و شعبيته وقوته السياسية، “باش ما كان”، ولأجل ذلك عاد ليوظف أسطوانة العزف على وتر القومية العروبية والنزعة الإسلامية، واستعمال القضية الفلسطينية، من أجل كسب عطف الرافضين لـ”التطبيع”، وتقديم نفسه “الحامي والمدافع عن ضحايا التقتيل الصهيوني بعدما تخلت عنهم الدولة باختيار التطبيع.” بل وصل به الحد إلى تقديم نفسه حاميَ حمى الملة والدين وضامنَ استمرار بقاء الدولة، بوقوفه في وجه أعدائها الذين يريدون تخريبها، المطالبين ببعض الحقوق الفردية والداعين للمساواة في الإرث، واعتبار ذلك “تهديدا لأسس نشأة واستمرار الدولة المغربية العلوية، وتقديم نفسه الوصي على أمنها وبقائها.
فهل هناك تدخلٌ في اختصاصات الملك أكثــــر من هذا؟؟؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

0 0 أصوات
تقيم المقال
Subscribe
Notify of
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

6 تعليقات
الأكثر تصويتا
أحدث أقدم
Inline Feedbacks
View all comments
شكراني محمد
المعلق(ة)
23 مارس 2023 09:16

مقاربة غير موضوعيةتجاوزت حدود المعطيات المصرح بها من الطرفين القراءة السياسية تحكمها الموضوعية والنزاهة والحياد أما الميتا لغة فهي فقط كلام على كلام الآخرية

السمفوني 1
المعلق(ة)
20 مارس 2023 23:14

لا يوجد في عالم العربان حزب لا يمارس النفاق السياسي، السياسة نفسها ما هي الا النفاق بشحمه ولحمه

عبد الله
المعلق(ة)
18 مارس 2023 20:05

من الملاحظ ان حزب البيجيدي يتلقى الضربات تحت الحزام من الصحافة التي من المفروض ان تأخذ مسافة فيما يحدث، و هذا له ما له و عليه ما عليه.

احمد
المعلق(ة)
19 مارس 2023 12:17

اقتربت الانتخابات وكتر اللغط والتنابز السياسي، بينما بقيت حالة المواطنين على ماهي عليه في ميدان الشغل والتعليم والتطبيب، اطرحو القضايا الاساسية وإلا فآصمتو يكون احسن.

متتيع
المعلق(ة)
18 مارس 2023 20:26

من المعروف ان سياسات الاحزاب الديمقراطية تتغير من سنة الى اخرى.وان القواعد هي التي تفرض توجهات الحزب وليس القيادة.

TILI
المعلق(ة)
18 مارس 2023 19:55

هذا رأيك الخاص وقراءتك للموضوع تحترم، غير أن مكانة جلالة الملك ليست هي منزلة الوزير.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

6
0
أضف تعليقكx
()
x