لماذا وإلى أين ؟

ذبح القانون والدستور على مقاعد رئاسة المجلس الوطني للصحافة

عمر البشريت *

حوالي 30 ألف نسخة، هي مجموع مبيعات الجرائد بالمغرب. بهذا الرقم لا يمكن لأي أحد أن يفتري علينا ويقول إن صحافة اليوم بالمغرب تصنع وتكيف رأيا عاما وتأثر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية..

هذه أباطيل، ولا جريدة اليوم يمكن أن تصنع بداية رأي أو تمارس أدنى تأثير داخلي. أما على المستوى الخارجي فسبح بحمد ربك… لغة الأرقام وحجم الانتشار يؤكدان ذلك، دون الحاجة إلى الخوض في المحتوى، حتى لا نقول كلاما آخر.

ومع ذلك، نشهد حربا ضروسا، غير أخلاقية يذبح فيها القانون والدستور ، على مقاعد ورئاسة المجلس الوطني للصحافة، هي حرب ريع لا أقل ولا أكثر.

يجب أن يكون الأمر واضحا، لا يتعلق الأمر بإنقاذ قطاع الإعلام من الغرق والانقراض، ولا إلى تجويد المهنة وإرجاع بعض بريقها وسمعتها وشرفها.
هي حرب حول جسد مهترئ ومتفسخ ومحتضر، يعيش تحت التنفس الاصطناعي بفضل ما تضخه الدولة من ملايير دافعي الضرائب ليظل هذا المخلوق العجيب حبيس غرفة الإنعاش..هي حرب غنيمة لاغير.

خلال 15 سنة الأخيرة، كان الأمر واضحا ، منذ البداية، أن المآل سيكون هكذا. العنوان الكبير لما نعيشه ، اليوم، هو الافتراس والإفراغ. فحتى خلال سنوات الرصاص، ظل المغرب محافظا على مساحة من الاستقلال السياسي والتقاليد الإعلامية. هذه المساحة والتقاليد ، كرست وأعطت احتراما للفاعل السياسي والإعلامي.

اليوم، هناك فراغ مخيف وقاتل. مخيف، لأننا أصبحنا بدون أسلحة إعلامية. وقاتل، لأن عدم صدور أو توقف جرائد البلد غدا لن يكون حدثا ولا عنوانا لأزمة..نعم يمكن أن لا ينتبه أحد غدا لغياب الجرائد عن الأكشاك.. هم فقط 30 ألف قارئ سيوفرون دراهمهم وسيذهبون الى حال سبيلهم. الأمر ليس كاريكاتوريا، إنها الحقيقة..

داخليا قضي الأمر، لم نعد نصنع ونوجه رأيا عاما. خارجيا، أصبحنا عراة بدون دفاع أمام الرأي العام الخارجي. أقصى ما أصبحنا نتقنه هو بروباغندا متهالكة وشوڤينية وإطلاق “كاسيط” المؤامرة والاستهداف وداكشي..لا نقنع أحدا ولا نؤثر في أحد.

أكثر من ذلك، أصبحنا نفرخ ونصنع مواقع إلكترونية ونحرض جرائد أخرى ونجزل العطاء للجميع من أجل مهاجمة وسب أربعة صحافيين مغاربة (اثنان منهما مسجونان ظلما: عمر الراضي وسليمان الريسوني) وخمسة نشطاء. تخيل أصبحنا “نجاهد” في “كمشة” من المغاربة يعبرون عن آرائهم بدون عنف، ونسمي ذلك “فتوحات” إعلامية و “مهمة وطنية” ونفتخر ب ” تامغرابيت” ضد “أعداء الداخل”، كمشة من أربعة صحافيين وخمسة نشطاء، يا للهول،إنها منتهى هشاشة دولة.
بعدما صدر تحقيق جريدة the economist البريطانية حول المغرب، وقبله تحقيق Le Figaro ومجلة Marianne و…برز معطى آخر: انتقلنا إلى “تدويل” صراعات الداخل. لقد تبين أنه لا يمكن التعويل على إعلام الداخل، لأنه أصبح بدون تأثير ومجرد “جثمان” يتنفس اصطناعيا. هكذا، نقلنا “معاركنا” إلى إعلام الخارج، نستدعيه( صحافي The Economist, كان ممنوعا طيلة سنين من دخول المغرب، فجأة سمح له وتم تسهيل أموره) ونمد إعلام الخارج بالتسريبات و بلائحة “المصادر المقربة”، وبعد ذلك نطلق عليه إعلام الداخل ليردد علينا “كاسيط” المؤامرة ويظهر “حنة وطنيته”…الذين اطلعوا على تحقيق The Economist سيفهمون هذه اللعبة الجديدة..

لا يحتاج المرء لكثير عناء للتدليل على الفراغ الإعلامي وانعدام تأثيره ومصداقيته داخليا وخارجيا، يمكن فقط متابعة والتمعن في الحرب التي تخاض بأساليب حقيرة وغير أخلاقية وعن طريق السب والتخوين من أجل ريع مجلس الصحافة، لتتأكد أنه يجوز قراء الفاتحة ترحما على كائن حي.
*صحفي مغربي مقيم في كندا

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة ع رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

 

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
احمد
المعلق(ة)
6 مايو 2023 18:13

لا يمكن القول ان الصحافة لم يعد لها تاتير على الراي العام و يتم الا ستدلال بذلك بعدد الصحف الورقية المقروءة اليوم، دون اعتبار لوسائل التواصل الاجتماعي التي تبت الاخبار صوتا وصورة والجزائد الالكترونية التي تنتشر كالطفائر و يرتادها العديد من الولوعين بالخبر، ناهيك عن اتساع دائرة المتعلمين بالمقارنة مع السبعينات والستينات الذين لهم قدرة على الكتابة والقراءة، فهذه حجج واهية ومردود عليها.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x