لماذا وإلى أين ؟

بورتري.. القصَّــة الغريبــة لإيون بيرديكاريس و قصره بطنجة

“بورتري”،..  سلسلة تطل عليكم من نافذتها صحيفة “آشكاين” كل أسبوع، و تشارككم “بروفايلات” شخصيات طبعت تاريخ المملكة بإنجازاتها وإرثها الثقافي والاجتماعي كل من مجالها، تأخذكم السلسلة في جولة عبر تاريخ المغرب لنتعرف و إياكم على الشخصيات البارزة التي ساهمت في صناعة التاريخ الوطني وساهمت في تطوير إرث المجتمع المغربي.

طنجة تاريخٌ مليء بالقصص الغريبة وزوايا التاريخ الفريدة. قد يعلم الجميع أنه في النصف الأول من القرن العشرين ، كانت طنجة قبلةً شهيرة لبارونات النفط و رجال الأعمال وأقطاب الشحن والمصرفيين والجواسيس واللصوص والفنانين. وربما يعلم الجميع أن ويليام يوروز استوحى أشهر رواياته من طنجة، وأن “ديف ليبارد”، أحد أشهر فرق الروك أحيت حفلا لها داخل مغارة هرقل. كل هذه القصص فريدة و مثيرة للإهتمام في حد ذاتها، ولكن ربما لا توجد قصة أغرب تمامًا تنتمي إلى طنجة، أكثر من قصة أيون بيرديكاريس.

كيف وجد أيون بيرديكاريس طريقه إلى طنجة

ولد ابن السفير الأمريكي في اليونان، أيون “جون” هانفورد بيرديكاريس، في أثينا باليونان عام 1840. ومع ذلك، نشأ في نيو جيرسي بالولايات المتحدة. تزوج والده من والدته، وهي ابنة عائلة ثرية تمتلك أراضي في ساوث كارولينا. وحضر “Perdicaris دروسًا في جامعة هارفارد، على الرغم من طبيعته الشغوفة بالتجوال، إذ ترك الدراسة بعد سنته الثانية لمواصلة دراسته في أوروبا. وعند بلوغه من العمر 31 عامًا، كان يعيش في لندن و يدرس الكهرباء و بدأ علاقة غرامية مع امرأة متزوجة، إلين فارلي، وكانت تلك فضيحة شغلت الصحف في ذلك الوقت. قبل أن يهرب الاثنان إلى طنجة حيث تزوجا بعد طلاق إيلين.

بحلول عام 1872، تخلى بيرديكاريس عن جنسيته الأمريكية، وحصل على الجنسية اليونانية، وكان يعيش مع إلين وأطفالها الأربعة من زواجها الأول. وفي عام 1887 قام بشراء 70 هكتارا من الأراضي في غابة الرميلات على تلال “الجبل الكبير” غرب طنجة. هناك بنى بيرديكاريس القصر الذي وعد زوجته به قائلا :”سأبني لك قصرا في أجمل أماكن العالم”. هناك قام ببناء قصر في منتصف منتزه مليئ بالأشجار، مناسب لأكثر الحفلات الفخمة، والتي استضافها بيرديكاريس كرئيس غير رسمي لمجتمع المغتربين في طنجة في ذلك الوقت.

المتنزه المحيط بالقصر، والذي أنشأه بيرديكاريس لزوجته إلين، التي كانت مريضة باستمرار بمرض السل، ساعدها على التغلب على المرض، فالهواء النقي، و مسارات المشي المتنوعة التي أحدثها “Perdicaris”، لازالت لحدود الساعة قبلة لساكنة مدينة طنجة و زوارها.

وعلى الرغم من أن قلبه كان في طنجة، إلا أن أعمال “Perdicaris” ومغامراته الأخرى أخذته إلى جميع أنحاء العالم. وكانت إحدى هواياته جلب الحيوانات والنباتات البرية من مناطق مختلفة من رحلاته، وعلى الرغم من أن الحيوانات البرية لم تعش لوقت طويل في منتزهه، إلا أن النباتات قد ازدهرت بشكل جيد، جاعلة منه منطقة خضراء فريدة من نوعها بطنجة.

تأسيس منتزه بيرديكاريس بطنجة

اليوم ، يُعرف “منزل العندليب” أو “Place of Nightingales”، باسم “حديقة بيرديكاريس”. هذه الحديقة التي تبلغ مساحتها 70 هكتارًا ، والتي كانت في يوم من الأيام منتزها خاصا بيرديكاريس، تفتخر بالمئات من أشجار الأوكالبتوس من أستراليا، والتي تم جلبها في عام 1919، بالإضافة إلى أشجار النخيل من كاليفورنيا وجزر الكناري. ستجد هنا أيضًا أشجار التنين، وأشجار الميموزا، وأشجار الصنوبر، وبلوط ميربك، والصفصاف الباكي، وأشجار الحور الفضية. كما أن هناك العديد من الزهور في جميع أنحاء الحديقة، بما في ذلك نباتات الروك، ونباتات الهندباء المزهرة المختلفة، والفاوة، وخبيزة الأشجار، وزهرة البحر الأبيض المتوسط. وتتغذى هذه النباتات المتنوعة بشكل لا يصدق، من خلال الزيارات السنوية للطيور المهاجرة التي تسافر من أوروبا إلى إفريقيا. على شاكلة طيور ال”Black Kite” و “Common Kestrel” و “Griffon Vulture”، والتي ليست سوى عدد قليل من الطيور العديدة التي تتدفق كل سنة إلى المنتزه.

وإذا انتهت قصة “Perdicaris” بإنشائه لمنتزه بيرديكاريس، فسيكون ذلك قصة رائعًة للتاريخ، لكن قصة بيرديكاريس ستتخذ منحى عنيفا حال تقاطع قصته مع قصة الريسولي، أو أحمد بن ريسول.

اختطاف أيون بيرديكاريس

بدأ أغرب منعطف في تاريخ “Perdicaris” بتعرضه للاختطاف. ففي 18 مايو 1904 ، تم اختطاف بيرديكاريس و ربيبه كرومويل فارلي من قبل مولاي أحمد ريسولي، وهو من قطاع الطرق المشهورين بالمغرب آنذاك، والذي كان يهابه الجميع و بشدة، ويطلق عليه “آخر قراصنة المغرب”. وكان ريسولي، الذي أعجب به أتباعه ودافع عنه كبطل محلي العديد من ساكنة موطنه بين جبال الريف، (كان) شوكة في خاصرة السلطات المغربية. وكان اختطاف بيرديكاريس إحدى ثلاث عمليات اختطاف تم الإعلان عنها دوليًا على مدى عقد من الجريمة – والاثنان الآخران هما والتر هاريس، مراسل صحيفة التايمز آنذاك، والسير هاري “كايد” ماكلين، وهو ضابط بالجيش البريطاني.

وحسب القصة الرائجة، فقد اقتحم ريسولي منتزه “Perdicaris” بواسطة حماعة من الأشخاص يتراوح عددهم بين 90 و 150 فردًا، حسب تضارب الروايات، و قطع هو و رجاله بسرعة خطوط الهاتف لمنع التواصل مع قوة الأمن الخاص الصغيرة لبيرديكاريس، وحبسوا إيلين وهربوا مع بيرديكاريس وابن زوجته. و (طوال الليل، ركضوا على ظهور الخيل إلى جبال الريف، الموطن الأصلي لريسولي، وعلى طول الرحلة، سقط بيرديكاريس و كسرت ساقه.

وكانت إيلين زوجة بيرديكاريس، فد أخطرت السلطات المحلية، الذين أرسلوا بدورهم، برقية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي سرعان ما انخرطت في القضية، كون المختطف يعد مواطنا أمريكيا.

وأثناء وجوده في الأسر، تعرف بيرديكاريس على ريسولي عن قرب، وفي الأشهر التي تلت إطلاق سراحه، بينما كان بيرديكاريس يعيش في طنجة، كان ريسولي يزوره من حين لآخـر. ويُعتقد اليوم أن بيرديكاريس ربما كان يعاني من متلازمة ستوكهولم. وعلى الرغم من جميع الروايات، فقد عومل بيرديكاريس بشكل جيد أثناء اختطافه واستمتع بمحادثاته الكثيرة مع ريسولي.

ومن جانبه ، زاد ريسولي من مطالبه خلال عملية الاختطاف حتى وصلت الفدية إلى 70 ألف دولار، والتي تقترب من حوالي 2 مليون دولار أمريكي بالعملة الحالية.

أيون بيرديكاريس (يسارا) وأحمد ريسولي (يمينا)

في أعقاب اختطاف أيون بيرديكاريس

في السنوات التي أعقبت اختطاف بيردييكاريس مباشرة، كتب سيرة ذاتية عن اختطافه لصالح “National Geographic” وعاد في النهاية إلى المملكة المتحدة، حيث عاش بقية حياته. وتوفي في عام 1925. ومن المثير للإهتمام، أنه في نفس العام توفي خاطفه، أحمد ريسولي.

وإذا كنت تعتقد أن الأحداث ستصنع فيلمًا رائعًا، فهوليود اعتقدت ذلك أيضًا. حيث وجدت قصة اختطاف “Perdicaris” طريقها إلى شاشات السينما، مع شون كونري الذي لعب دور مولاي أحمد ريسولي في فيلم “The Wind and the Lion”. وبقدر ما كان من الغريب أن يجد بطل أفلام جيمس بوند نفسه كمحارب ريفي، ربما كان من الغريب أيضا أن من قام بتمثيل دور بيرديكاريس، نجمة هوليوود كانديس بيرغن.

فلم تكن هوليوود مقتنعة بأن الناس يريدون مشاهدة رجل ملتح يبلغ من العمر 61 عامًا يتم أسره. بدلاً من ذلك، تم إعادة سرد الأحداث بسحر هوليوود القديم، المتمثل في إعادة صياغة الضحية المخطوف كشابة باسم “Eden Pedecaris”.

وقد تم التخلي عن قصر بيرديكاريس عندما عاد هو وعائلته إلى المملكة المتحدة، ليتحول إلى منزل مهجور لسنوات طويلة، وتم تجديد العقار الفخم مؤخرًا من قبل السلطات. حيث بات يطلق عليه الآن اسم “Chateau Perdicaris”، ومازال المنتزه قبلة للزوار وعشاق الطبيعة، والاستمتاع بالنزهة، والدردشة مع الأصدقاء ، وتنفس الهواء المنعش المليء بالأوكالبتوس، والاستمتاع بالمناظر الخلابة لمضيق جبل طارق.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

4 2 أصوات
تقيم المقال
Subscribe
Notify of
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

1 تعليق
الأكثر تصويتا
أحدث أقدم
Inline Feedbacks
View all comments
ابو زيد
المعلق(ة)
12 يوليو 2023 02:41

من 70 هكتار من غابات البرديكاريس لم يعد الا العشرات و تم الاجهاز على غابات الرميللت و ما جاورها تحت مسميات كثيرة الراجحة منها طنجاوة بينما غالبيتهم مهاجرون قدموا الى طنجة في الثلاثينيات بسبب سنوات الجوع التي تداولها من سبقوهم!!
طنجة مثال لفوضى مافيا العقار كل يحاول اقناع ذويه بفرضية جذوره و نسبه و مصدر أمواله!!
طنجة ستتكلم يوما بعدما ترك يهود طنجة كتبا تؤرخ لماض قريب لا وجود لهؤلاء الانتهازيين فيه!
ستنطق قهرا كمدينة لان كثيرين تجنوا عليها!!

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x