لماذا وإلى أين ؟

حوار مع مؤلف كتاب “المجتمع ضد الدولة” حول أزمة التعليم بالمغرب وحقيقة “وفاة” الفاعل الحزبي والنقابي

– عبد الرحمان رشيق، أصدرتم كتابا يحمل عنوان “المجتمع ضد الدولة؛ الحركات الاجتماعية وإستراتيجية الشارع بالمغرب”؛ الكتاب عبارة عن كرونولوجيا لمسار السلوك الاحتجاجي بالمغرب، عبر مراحل متعددة منذ استقلال المغرب إلى اليوم، حيث لكل مرحلة طابعها الخاص. وخلص الكتاب إلى ما نعيشه اليوم من أشكال احتجاجية تتخذ طابعا فئويا محضا، ظهر ذلك جليا من خلال العديد من النماذج التي طبعت الساحة الوطنية مؤخرا، ومنها بشكل خاص ما نشهده اليوم من احتجاجات مرتبطة بما يمكن أن يوصف بأزمة التعليم بالمغرب.

الفاعل السياسي، وبشكل خاص النقابي، كان يلعب إلى وقت غير بعيد أدوارا طلائعية ليس فقط في تأطير وقيادة الاحتجاجات، بل الدخول في صراعات قوية أحيانا مع أصحاب القرار، لكن أظهرت الاحتجاجات الفئوية الأخيرة ضعف بل عدم الثقة في الفاعل النقابي وحتى السياسي، ودخلت الدولة في مطبات حقيقية رغم توصلها إلى اتفاق مع النقابات كان ممكنا أن يضع حدا لما يعيش قطاع التعليم من أزمة.

كيف تقرؤون هذا الوضع؟

يجب الاحتياط من السقوط في النوسطالجيا والاستمرار دائما في تمجيد الماضي

– صحيح أن الفاعل السياسي و الفاعل النقابي كانا يلعبان أدوارا طلائعية في تأطير وقيادة الاحتجاجات الاجتماعية خاصة بعد خلق نقابة الكونفدرالية الديموقراطية للشغل (CDT) سنة 1978 والتي كانت تابعة لحزب الاتحاد الاشتراكي. مع الانفتاح السياسي التدريجي ابتداء من سنوات 2000 تكاثرت الاحتجاجات في المجال العام. تجلى ذلك في تنظيم 700 اعتصام ومظاهرة، (أي بمعدل اعتصامين في اليوم الواحد) في سنة 2005. وانتقل هذا العدد إلى 17.186 احتجاج (مظاهرات واعتصامات في المجال العام في سنة 2012 حسب ما سجّلته مصالح وزارة الداخلية بشكل رسمي (للمزيد من التفاصيل انظر كتابي المجتمع ضد الدولة). وقد وصل هذا الرقم بعد ذلك إلى ما يقارب 20.000 مظاهرة.

عبد الرحمان رشيق باحث في علم الاجتماع، متخصص في الحركات الاحتجاجية
عبد الرحمان رشيق باحث في علم الاجتماع، متخصص في الحركات الاحتجاجية

 

– أولا يجب الاحتياط من السقوط في النوسطالجيا والاستمرار دائما في تمجيد الماضي وبعض الأحيان في تقديسه. يجب الإقرار بأن الدولة والمجتمع المغربي قد تغيرا بشكل كبير خلال العشرين سنة الأخيرة. وأن هذه التغيرات الكثيفة على المستوى السياسي والاجتماعي أفرزت مطالب جديدة وفاعلين جدد كالجمعيات والتنسيقيات وبالتالي أنواعا جديدة من الأشكال الاحتجاجية التي فرضت نفسها من خلال احتلال المجال العام (وقفات ومسيرات ومظاهرات) بصفة سلمية، والتي تضاعفت بشكل كبير حيث كان المعدل المسجل هو 56 احتجاج في اليوم الواحد ليتضاعف بذلك 28 مرة مقارنة بالرقم المسجل في سنة 2005.

– هل يمكن إعلان “وفاة” الفاعل السياسي (الحزبي أقصد) والنقابي في ظل الأشكال الجديدة لغضب الحركات الإجتماعية وما السبب؟

التنسيقيات والمجموعات تدافع عن مصالح مادية صرفة بدون مرجعيات سياسية او أيديولوجية محددة

– لا يمكن الحديث عن وفاة الفاعل السياسي أو النقابي لأنهما يلعبان دورا محوريا في التعبئة بمسؤولية كبيرة يعني دون المخاطرة أو المغامرة التي تؤدي الى الباب المسدود. يجب القول إن هناك فرصا سياسية جديدة وميزان قوى (هو الآن ليس في صالح الفاعلين الكلاسيكيين) وظهور فاعلين جدد كالجمعيات الحقوقية وحركة 20 فبراير والتنسيقيات والمجموعات التي تدافع عن مصالح مادية صرفة كالشغل أو الزيادة في الأجور و تحسين شروط العمل… وذلك بدون مرجعيات سياسية او أيديولوجية محددة. حيث أعلنت عن هدفها الوحيد الذي يتحدد في الدفاع الحصري عن مطالب الشغيلة التعليمية وقد بينت عن نجاعة خطتها بالإعلان عن استقلاليتها السياسية والنقابية، حيث ضمت اليها أغلبية الأطر التعليمية بمختلف مشاربها. ولقد نجحت في تعبئة الشارع العام وذلك بالضغط المستمر على أجهزة الدولة التي استجابت لبعض مطالبها. كما يجب أن لا ننسى أن هناك بنية اجتماعية وعمرانية في تغير مستمر بإمكانها توجيه السلوكيات الجماعية والرفع من مستوى توعية المغاربة بحقوقهم وواجباتهم. لقد كان الفاعلون السياسيون والنقابيون المعارضون يبحثون عن تثبيت تقاليد النضالات المطلبية عبر الدعوة للإضرابات القطاعية والعامة وفي بعض الأحيان لتنظيم المظاهرات التي كانت عدديا ضعيف جدا، لكي لا نقول منعدمة، للضغط على أجهزة الدولة. وكانت آلة القمع تشتدّ على الحركات الاجتماعية والسياسية. وقد انتقل المغرب من الانفعالات الجماعية التلقائية العنيفة التي عرفتها سنوات الثمانينيات (1981 و 1984 و 1990) إلى الانفعالات العقلانية والعاطفية-العقلانية التي تتميز بالسلمية. كما فَرضت التحولات العمرانية مجتمعًا وثقافة وقيمًا وأنماطًا سلوكية جديدة تميزت بالانتقال منذ الثمانينيات من مجتمع تلقائي “طبيعي” تعيش اغلبية سكانه في الوسط القروي (57 % سنة 1982) إلى مجتمع حضري (اكثر من 60 % سنة 2014 ) يغلب عليه منطق الحسابات والتنافس و”التخندق الاجتماعي ” والنجاح الاجتماعي والطموح إلى التميز مهما كان الثمن… ويغلب عليه كذلك طابع الاحتجاج والمطالبة الجماعية بالكرامة والعدل والمساوات. كما تميّز النقاش العام بقضايا سياسية (وتجسد ذلك بخلق هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، والمظاهرات المكثفة والمستمرة لحركة 20 فبراير 2011-2012) وطرح اشكالات مجتمعية مثلا حول مدونة الاسرة (الطلاق، الزواج المبكّر، العنف ضدّ النساء، النفقة …) والرشوة والحكم بالإعدام والتعذيب و الثقافة واللغة الأمازيغية و اللامساواة والتهميش و الاقصاء،… و فرض الاحتلال السلمي للمجال العام. هاذا اذن باختصار شديد ما يميز السياق العام الجديد الذي تنخرط فيه الاحتجاجات الحالية والتي من شانها توجيه نوعية الاحتجاجات وخلق فاعلين جدد.

هل هذا يضع الدولة في مأزق مع الحركات الاجتماعية المحتجة، في ظل غياب مخاطب حقيقي منظم أو مهيكل يمكنها من حل أو على الأقل حلحلة الأزمات الاجتماعية، وفي ظل ظهور تنسيقيات لا تعترف أصلا بالنقابات ولا تثق فيها؟

النقابات والأحزاب السياسية عكس التنسيقيات لا تناضل فقط من أجل الزيادة في الأجور، إنما تلعب كذلك دور “البارشوك

– أولا الحكومة هي التي وضعت نفسها في مأزق لأنها لا تريد فتح باب الحوار مع التنسيقيات المنظمة والمهيكلة بطريقة جيدة وفعالة والتي تمثل الأطر التعليمية على الرغم من نجاحات تعبئتها المتكررة في شوارع المدن المغربية وذلك تحت ذريعة أن التنسيقيات غير قانونية. ثانيا ليس هناك تعارض بين التنسيقيات والمنظمات النقابية بحيث أن المناضلين والمتعاطفين مع المنظمات النقابية يوجدون ويناضلون من داخل التنسيقيات. فالنقابات والأحزاب السياسية عكس التنسيقيات لا تناضل فقط من أجل الزيادة في الأجور وتحسين شروط العمل والحريات النقابية… وانما تلعب كذلك دور الوسيط وحائط ضد الصدمات “البارشوك” في الصراعات الاجتماعية سواء في تصعيد النضالات أو تلطيف الأجواء. ويبقى الهدف هو تحقيق مطالبها وتجنب ما لا تحمد عقباه. وهذا ما أعنيه بالمسؤولية.

سؤال أخير؛ باعتباركم أستاذا لعلم الاجتماع الحضري، هل ستقف هذه الحركات الاجتماعية عند مستوى ما نراه الآن أم قد تتحول في ظل غياب دور (البارشوك) متمثلا في الفاعل السياسي والنقابي وحتى المدني، إلى حركات احتجاجية تخاطب هرم السلطة، أي أن الدعوة للاستجابة للمطالب لن تعود محصورة في الحكومة كما كان الوضع سابقا؟

 

انخفاض عدد الاحتجاجات في الفضاء العام، يُعوضه اللجوء إلى مساحات بديلة مثلا ملاعب كرة القدم أو الاحتماء وراء الشبكات العنكبوتية

– التنسيقيات تتعامل في نضالها مباشرة مع الإدارة الوصية و ان تعذر الامر يتدخل رئيس الحكومة كما هو الحال الآن مع المظاهرات التي تنظمها التنسيقيات التعليمية التي أدت احتجاجاتها الكثيفة الى تجميد النظام الأساسي الدي اقترحه وزير التعليم والذي أثار غضب الشغيلة التعليمية. فمع عودة السياسة السلطوية منذ 2013-2014 التي حاولت الحدّ من الاحتلال السلمي للفضاء العام بدون إعلان إداري مسبق، وكذلك بعد إصدار أحكام قاسية على زعماء الحركات الاجتماعية (مثلا احتجاجات منطقة الحسيمة في 2016-2017)، بدأ الاحتجاج الاجتماعي يتقلص عدديا في الشارع، غير أنّه، وفي نفس الوقت، أصبح ممتدا زمنيا وأشدّ كثافة كما هو الحال مع التنسيقيات التعليمية. ويمكن كذلك ان نسوق احتجاجات سكان إيميضر بإقليم تنغير (2011-2019)، والطلبة-الأطباء (2015)، والطلبة-الأساتذة (2015-2018)، وساكنة إقليم الحسيمة (2016-2017)، وساكنة مدينة جرادة (2018) والأساتذة المتعاقدين مع الأكاديمية الجهوية لوزارة التعليم (2018-2019)… كما أنّ انخفاض عدد الاحتجاجات في الفضاء العام، يُعوضه اليوم اللجوء إلى مساحات بديلة مثلا ملاعب كرة القدم أو الاحتماء وراء الشبكات العنكبوتية والدعوة مثلا سنة 2018 للمستهلكين لمقاطعة بعض العلامات التجارية الوطنية والأجنبية .

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x