لماذا وإلى أين ؟

زهور أزلاف.. حب من داخل السجن

معتقلات بلا أحكام..، سلسلة سيتم تسليط الضوء من خلالها على الظروف التي عايشتها عائلات المعتقلين في فترة ما سمي بـ “سنوات الرصاص” التي شهدها المغرب، وهي سلسلة تهدف لإبراز فكرة بان واراء كل معتقل في تلك الفترة امرأة كافحت وضحت، رغم كل الظروف الصعبة، وعايشت تطورات الاعتقال لحظة بلحظة، امرأة توقفت حياتها هي الأخرى طيلة فترة الحكم، كأن سنوات الحكم طالتها هي أيضا مع فارق أنها خارج السجن وليس داخله، وبلا حكم.

وسيتم في هذه الحلقة تسليط الضوء على ما عاشته زهرة أزلاف، زوجة المعتقل السياسي السابق علي فقير الناشط السابق بمنظمة “إلى الامام” السرية.

كيف تعرفت على علي فقير؟

تعرفت على علي داخل السجن، إذ تم الحكم عليه في سنة 1972 بمدة 10 سنوات سجنا بسبب الانتماء إلى منظمة “إلى الأمام” السرية، وكان هو ضمن أول مجموعة اعتقال ستعرفها المنظمة في تاريخها، وفي 1977 كنت طالبة بكلية الاقتصاد والقانون بالرباط وعضوة في التعاضدية بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وكنت حينها مكلفة بمد المعتقلين السياسيين بالدروس، وفي إحدى الزيارات للسجن تعرفت على علي فقير، لم يكن لي أي انتماء سياسي معين لكني كنت متعاطفة مع أطروحات اليسار الجديد كأغلب شباب الجامعة آنذاك، وعندها بدأت علاقاتنا وهو لا زال في السجن، خرج علي فقير في سنة 1982 بعدما أكمل مدة حكمه، وتزوجنا وأنجبنا توأمين سعيدة ومحمود.

كيف كان وقع الاعتقال الثاني عليك؟

إبان انتفاضة 1984، سيتم اعتقال علي من جديد بعدما تم اتهام الحركة “الماركسية اللينينية” رسميا بوقوفها وراء الاحداث، وكان علي حينها يُدرس الاقتصاد والتسيير في ثانوية الليمون بالرباط، وتم اعتقاله من داخل المؤسسة أمام التلاميذ والزملاء، وأذكر أن تلاميذ علي أحضروا لي بدلة عمله ومحفظته، ولم يكن يتجاوز سن ابنَينا حينها 4 أشهر، وكنت عاطلة عن العمل بعدما تحصلت على الإجازة، لتبدأ معاناة السجن والزيارات من جديد.

بعد الاعتقال عانيت كثيرا، عانيت من تخلي الجيران والأصدقاء عنا، ومن المتابعات والمضايقات المستمرة لدرجة أصبحت فيها محرومة من مساحة خاصة وحياة خاصة، كل فعل تقوم به مراقب وتحت المجهر.

أول شيء قمت به بعد الاعتقال هو البحث عنه، وزرت عدة مقار لمخافر الشرطة، إلى حين وجدناه بمخفر حسان الذي بقي فيه لأيام، وكنا نقدم للمعتقلين “القفة” بشكل يومي لنكتشف فيما بعد أن كل ما كانت تحمله العائلات لذلك المخفر لم يكن يصل للأسف رغم أن ثمن “القفة” مُرتفعا وكانت معاناة كبيرة لتوفيرها.

وكانت معاناتي مضاعفة لأني عاطلة عن العمل كما قلت، فاضطررت لترك ابنَي عند عائلتي بمدينة وزان، وبقيت في تلك الفترة أتنقل بين مدينة وزان عند عائلتي ومدينة الرباط للزيارة ولقاء العائلات وتقرير الخُطوات المُقبلة،

بعد أيام المخفر قُدم رفيق دربي للمحاكمة بسرعة، وتم الحكم عليه بسنة سجنا وتم إيداعه بسجن لعلو، لقد كانت فترة صعبة بسبب ضعف الإمكانيات الاقتصادية، ولحسن حظي بعد المحاكمة سكنت مع أختي بحي “ديور الجامع” بالرباط وتكلفت الأخيرة بمصاريف الكراء، وكان هناك مساهمات من طرف الرفاق الذين لم يشملهم الاعتقال، حيث كان هناك قرارا من طرف المنظمة يقضي بجمع المساعدات بشكل منتظم ودوري لجميع العائلات المُحتاجة لذلك.

– كيف كانت تتم الزيات، وما الخطوات التي قمت بها بعد المحاكمة؟

تعرضت خلال الزيارات للإهانات والمعاملة السيئة، وأحيانا قليلة تعرضت للتحرش من الحراس، في سجن لعلو عندما كان يتم تفتيش “القفة” تفتيشا دقيقا بكل ما فيها، وكانت تتطلب مصاريف كبيرة، ورغم التضييقات كان التآزر بين العائلات، وبالموازاة مع الزبارات انحصر عمل العائلات أساسا في المجال الإعلامي لتحسيس الرأي العام الدولي عبر البلاغات والبيانات والاتصالات، وكذلك بعمل ضغط مستمر دون كلل وملل على المسؤولين خاصة وزارة العدل لتحسين الوضعية بالسجون.

كذلك كنا نشارك في كل التظاهرات النقابية للتعريف بقضية المعتقلين، واحضنتنا ثلاث نقابات أساسا وهي الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد المغربي للشغل، والنقابة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

قضى علي مدة سجنه كاملة مرة أخرى، غير أنه لم يُلحق بعمله كأستاذ كما كان، وبقي علي بدون عمل رسمي لمدة ثلاث سنوات إلى حين سنة 1988 ليتم إرجاعه لعمله ووظيفته.

أود الإشارة في الأخير إلى أن تجربة النساء قريبات المعتقل، تختلف من واحدة لأخرى، حسب مراحل الاعتقال في المغرب وحسب نوعيتة، وحسب المستوى الاجتماعي لكل واحدة، وإن كانت الأغلبية ينحدرن من البادية ومن الجهات المُهمشة، ولا ينتمين لحزب سياسي معين، لكن اعتقال أبنائهم اضطرهن للانخراط في النضال، وربما لم يكن يدركن في تلك الساعة أنهن يساهمن في بناء النواة الأولى للحركة الحقوقية والنسائية بالمغرب، وفي كتابة التاريخ بمعى الكلمة.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x