لماذا وإلى أين ؟

زهرة حسني.. الشابة التي اختارت الحب في زمن “السرية” (1)

معتقلات بلا أحكام..، سلسلة سيتم تسليط الضوء من خلالها على الظروف التي عايشتها عائلات المعتقلين في فترة ما سمي بـ “سنوات الرصاص” التي شهدها المغرب، وهي سلسلة تهدف لإبراز فكرة بان واراء كل معتقل في تلك الفترة امرأة كافحت وضحت، رغم كل الظروف الصعبة، وعايشت تطورات الاعتقال لحظة بلحظة، امرأة توقفت حياتها هي الأخرى طيلة فترة الحكم، كأن سنوات الحكم طالتها هي أيضا مع فارق أنها خارج السجن وليس داخله، وبلا حكم.

وسيتم في هذه الحلقة تسليط الضوء على تجربة مختلفة تماما عن تجارب الحلقات السابقة، على تجربة زهرة حسني، زوجة محمد أجرار الناشط السابق بمنظمة “إلى الامام” السرية، والذي ظل متابعا غيابيا بعد عدم تمكن الشرطة من الوصول إليه، ليظل هو رفيقته يعيشان في السرية إلى حين الإفراج عن معقتلي المنظمة سنة 1994..

وفيما يلي نص الحوار:

– كيف تعرفت على زوجك محمد أجرار؟

أود الإشارة في الأول إلى أن تجربتي تختلف شيئا ما عن تجارب ومعانات الرفيقات والمناضلات اللواتي تعرض ازواجهن او عشاقهن للاعتقال السياسي، فحالتي تندرج فيما يسمى في الأدب الحقوقي بالاختفاء القسري.

بدأت تجربتي عن طريق ربط علاقة حميمية مع أحد المناضلين الذي تعرفت عليه داخل نقابة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أوائل الثمانينات، وكانت لقاءاتنا عادية في الأول قبل انكشاف هويته وطبيعة عمله. وانتمائه لمنظمة “إلى الأمام”، حيث تقدم لخطبتي مدعيا امامي وامام عائلتي باشتغاله اطارا بشركة خاصة بمدينة أكادير، وانا حينها كنت قد تخرجت من مدرسة المعلمات بحي المحيط بالرباط.

– وكيف اكتشفت حقيقة الشخص الذي ارتبطت به؟

في البداية كل شيء يبدو عاديا وأحلامي بتأسيس عائلة بدأت تكبر، ووالدتي تحدثني باستمرار على شراء الاثاث واللباس، ومستلزمات عرس الزفاف.

إلى أن انقلب كل شيء في احدى الليالي صيف 1985 حينما استيقظت اسرتي على طرق غير عادي للباب، وفتحت امي الباب فدخلت فرقة كاملة بدون استئذان الى داخل بيتنا الصغير.

واستيقظ الجميع في ذعر، الكل لا يعرف ما يجري، قدم احد المقتحمين نفسه عل انهم من الشرطة، واقتادوا معهم اخي البكر الى مكان مجهول معصب العينين، ثم بدأت الأسئلة مع حالة الرعب التي تلف الموقف حول خطيبي، لم يتذكر اخي اسم خطيبي، وفهم المستجوبون الموقف، فاعادوا السؤال بصيغة اخرى، متسائلين معه حول الشخص الذي أتى الى خطبة اخته، وإن كان يعرف مكانه؟ فنفى بمعفرته له أو أين يوجد، ففهم المحققون بتجربتهم امام هدوء المستجوب انه لا يعرف اي شيء. فتم إطلاق سراحه، اما الفرقة الثانية فقد استقرت في منزلنا لمدة اسبوع ومنعت الجميع من الذهاب إلى عملهم ومدارسهم.

– هل هذا الحادث هو الذي مكنك مع معرفة حقيقة خطيبك؟

بعد الاعتقالات في 1985 في صفوف قيادة “إلى الأمام” وانكتشاف التنظيم، اكتشفت انا ايضا الهوية الحقيقية لهذا الشاب الذي سارتبط به طول عمري وطبيعة عمله، حيث في هذا الوضع المستجد اضطر ان يكشف عن اوراقه وفاجأني بحقاقئه التي كانت مرعبة بالنسبة لي.

فالرجل لم يكن اطارا بشركة خاصة باكادير كما صرح لي ولعائلتي، بل هو عامل في أحد المعامل بمدينة الدار البيضاء، ولما سالته عن عنوان المعمل وماذا يصنع؟ كان يرفض الاجابة مما جعل مخاوفي وشكوكي تكبر، متسائلة في نفسي “ما هذه المصيبة التي سقطت فيها؟” وتعاظم شكوك حول هذا الرفيق الذي كذب علي وعلى عائلتي..، لكن فيما بعد فهمت انه كان ينتظر خروج رفاقه من المعتقل السري وتقديمهم للمحاكمة، وخروج الخبر في الاعلام مع وجود اسمه مع المتابعين غيابيا لكي اعرف الحكاية كلها من خلال الصحافة.

إذ عندها سحب من جيبه الجريدة التي تضم رفاقه المعتقلين، ووضعها في يدي قائلا:” هؤلاء رفاقي في منظمة “إلى الامام”، لقد اقسمنا على ألا نتخلى عن مقاومة الظلم والقمع والاستغلال في بلادنا مهما كانت التضحيات”. وسحب من جيبه جزء من الجريدة فيها صورة الشهيد امين التهاني وأضاف “انظري جمال هذا الشاب انه مهندس، لقد قتله الجلادون لانه رفض الاعتراف باسماء رفاقه في التنظيم”.

– كيف قررت الاستمرار في الارتباط مع شخص ملاحق بتهمة “تدبير مؤامرة على النظام”؟

بعدما كشف أمره أمامي، طرح معي خطيبي النقط على الحروف. فتغيرت ملامحه وبدأ خطابا جديا وصارما حول مستقبل علاقتنا. سحب من جيبه ورقة وخط فيها مايشبه جدول “اعمال للنقاش”! وكانت اول مرة أرى خطيبين يناقشان مستقبل علاقتهما في جدول أعمال، وقال لي “لك الاختيار وانت حرة، إذا اردت ان نخوض معا المعركة فمرحبا. واذا بدى لك هذا الطريق شاق عليك فسنتدبر الامر”. وكان من الصعب علي إستماع افكاري الجواب على اسئلته. ربما احس بذلك فطلب مني ان نخرج للتجول ليلا وسط ظلام دامس في احدى الغابات في الأطلس المتوسط وسكون لا يكسره إلا نباح الكلاب التي تحرس ليلا مساكن الفلاحين. هناك قررت أن انضم إلى صفوف هؤلاء الحالمين بالثورة وصارحته بقراري فعانقني بحرارة…

ومنذ ذلك الوقت، دخلت حياتي في مغامرة جديدة ستدوم 10سنوات تقريبا. اضطررت معها الى العيش في السرية بعيدة عن العائلة والمعارف. وانتقلت مهنتي من استاذة الى عاملة في معامل النسيج وكانت تجربة الحمل والولادة في تلك الظروف هي التي رسخت في وجداني نذوبا عميقة يصعب التخلص منها..

يُتبع..

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

1 تعليق
الأكثر تصويتا
أحدث أقدم
Inline Feedbacks
View all comments
بنعشير السيتل
المعلق(ة)
6 أبريل 2024 21:07

تحية وتقدير للرفيقين .حسني وأجرار

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x