لماذا وإلى أين ؟

عودة الزمن الباهي

سليمان الزواق
عاشت مدينة تطوان يوم الأربعاء 26 يوليو 2024 عرسا ثقافيا بدلالات عميقة ومعاني أنيقة، عبارة عن ندوة هامة حول الصحافي الراحل محمد باهي حرمة، حضرها جمهور غفير من مختلف التخصصات العلمية، وإن كانت الهيمنة داخله لطلبة شعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان. إذشكلت هذه الندوة حدثا ثقافيا مميزا أكدت أن الباهي خلاف ما يعتقده البعض لايزال حاضرا، عصيا عن الشطب السريع من ذاكرتنا الجماعية.

هي فكرة راودت الأستاذ والمؤرخ الطيب بياض، فأبى إلا أن يخرجها الى أرض الواقع تحت عنوان يعبر عن مضمونها:”التراث الفكري لمحمد باهي حرمة في مرآة الخلف”، بعد أن دعا ثلة من طلابه بسلكي الماستر والدكتوراه لتفعيلها، وواكب تأطيرهم استعدادا لهذا اللقاء العلمي، الذياحتضنه المركز الثقافي إكليل التابع لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية بتطوان بتعاون مع مؤسسة باب الحكمة للنشرـ، وإن تخلف عن حضوره الكثير من زملاء الباهي وأصدقاءه.

فمن رماد الذاكرة ينبعث التراث الباهيصامدا في وجه الزمن،منتصبا كنخيل في فلاةيصارع النسيان، ويستظل بوارف ظله نفر من الطلبة الجامعيين الذي اتخذوا من الباهي موضوعا لمشاريع تخرجهم، وآخرون نبشوا في تراث الباهي مستخرجين كنوزا معرفية وفوائد تاريخية شكلت مواضيع هذه الندوة. فكان موضوع الجلسة الأولى منها: “خماسية باريس مرجع نوعي لكتابة التاريخ الراهن”، باشر خلالها طلاب وطالبات من ماستر شمال المغرب المتوسطي في جامعة عبد المالك السعدي تقديم قراءات عميقة في مواضيع متعددة وهامة جادت بها قريحة الباهي، ودأب على جمعها خِله الوفي امبارك بودرقة (عباس) في أجزاء أنيقة، صانترسالة باريس وحفظتها من آفة النسيان والتناسي إكراما لصداقة عميقة، وتجاوبا مع وصية عبد الرحمن منيف الذي ألح على حفظ تراث الباهي وتبليغيه للأجيال القادمة.

بدأت الندوة بالجلسة الأولى التي سيرها الأستاذ والمؤرخ الطيب بياض،وتمحورت حول قراءات في أعمال رسالة باريس، حيث تناول المشاركون أبرز النصوص والموضوعات التي ناولها الباهي للقارئ، وقدموا جانبا مهما من تحليلاته النقدية والفكرية بالإضافة الى اضاءاته التاريخية بشكل مفصل، مبرزين تأثيره العميق في فهم الواقع السياسي والتاريخي على مستويات مختلفة إقليمية ودولية ، مغاربية وعربية ، شرقية وغربية. فكانت المداخلة الأولى بعنوان “العشرية السوداء في الجزائر بقلم محمد باهي حرمة”قدم فيها الطالب فرحان بنعمرو عصارة مركزة عن أحداث وخلفيات الحرب الأهلية الجزائرية من منظور الباهي عبر عرض محطات من الصراع الذي قام بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكارًا موالية للجبهة الإسلامية للإنقاذ ، فالباهي كان شخصية لها وزنها وتقديرها في الجزائر ومقربة من قادة التحرير الوطني مثل أحمد بن بلة والهواري بومدين وغيرهم، وساهم بشكل كبير في فهم الأوضاع السياسية في البلاد لذا تميزت مقالاته حول الموضوع بالأهمية الكبيرة حيث كانت مرجعاً أساسياً للصحفيين والباحثين الذين استفادوا من تحليلاته ورؤيته العميقة للأحداث.وغير بعيد عن الجزائر عالجت الطالبة ابتسام أكروح موضوعا بالغ الأهمية، تحت عنوان: “قضايا مغاربية راهنة كما رصدها محمد باهي، تونس نموذجا”، أيأوضاع تونس في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة كما رصدها محمد باهي، والتي عرفت مرحلته مجموعة من الصراعات والمشاكل الداخليةالمتعلقة بالأوضاعالسياسية التونسيةالتي عاشتمحطات حرجة، ناهيك عن التحديات المرتبطة بمأزق الجغرافيا والسياسية الخارجية لتونس مع بعض الدول المجاورة (ليبيا -الجزائر) والبعيدة(فرنسا -الولايات المتحدة الامريكية).

كما تطرقت لبداية فترة زين العابدين بن علي،التي عرفت فيها تونس ما يشبه الانفراج الديموقراطي، وانتقلت فيها من حالة دولة تتحكم بها قوى خارجية، الى فاعلة ومتحكمة في شؤونها الداخلية والخارجية ، بالإضافة الى قضايا مغاربية أخرى خاصة ليبيا، والنزاع القائم حول الصحراء المغربية، وهي قضايا تناولها الباهي بنفس نقدي تحليلي وحلم وحدوي مغاربي، أو ما أسمته الطالبة فاطمة الزهراء الشيخي في مداخلتها التي جاءت تحت عنوان معبر: “حلم باهي المغاربي في قاعة الانتظار”، عالجت فيها ماقدمه محمد باهي من مقالات حول معيقات الوحدة والسلام المغاربي بفهم عميق وتحليل موضوعي. لينتقل الطالب سليمان الزواق إلى موضوع آخر، بمداخلة تحمل عنوان “الحضور الباهي في قضايا الشرق الأوسط والخليج العربي”، حيث توقفعند قضايا أخرى شغلت بالالباهي، عايش أحداثها وشارك فيها فاعلا ومتفاعلا، كالقضية الفلسطينية التي كانت من بين أهم القضايا التي اهتم بهاالباهي كصحافي ومناضل، مستعرضا أبرز محطات الصراع العربي الإسرائيلي. إنهالباهي الذي ساهم في تأسيس لجنة العمل العربي من أجل فلسطين، والذي كان رمزاً للالتزام والقضية، محاولاً دائماً أن يجسد رؤيته وإيمانه بالحرية والكرامة الإنسانية، كما دأبه في تعاطيه مع باقي القضايا التي شغلته وكتب عنها؛ فقد شد قلم الباهي رحاله الى إيران والخليج العربي والكويت وسوريا وباقي المناطق العربية، فبحث بعمق عن الجذور التاريخية لأزمة الخليج التي قلبت الاستقرار الهش في جميع منطقة الشرق الأوسط رأسا على عقب، وقدم اضاءات عميقة حول حرب الخليج الثانية وقضايا عربية أخرى متعلقة بسياسات دمشق وأزمات بيروت ومشاكل عدن. ليختتم الجلسة الطالب عبد الحكيم بنزكدو بموضوع يحمل دلالةعميقة “باهي يضيء دهاليز المطبخ السياسي الفرنسي”،حيث أمضى باهي نصف حياته بباريس، تلبية لمتطلبات مهنته كصحافي ودوره كمؤرخ آني سابرا لأغوار السياسة الفرنسية وأسرارها الداخلية وارتباطاتها الخارجية، مقتفيا بصمات هويتها السياسية والاجتماعية.

اما الجلسة الثانية فكان موضوعها”انبعاث حلم صيانة الذاكرة”عالجت قضايا متنوعة تخص ذاكرة باهي وأسرار باريس، الاستعمار والحرية والتطورات الاقليمية والتحولات السياسية العالمية، قدم الطلبة خلالها تحليلات نقدية وقراءات رزينة استندت إلى كتاباته المتنوعة ورؤاه التاريخية المميزة والعميقة.شاركت في هده الجلسة الثانية الطالبةأسماء مشبال بمداخلة ذات عنوان مُعبر: “نهر السين شاهد على نشأة باريس بقلم باهي”،فالنص الرحلي الذي أنتجه محمد باهي حرمة عن مدينة الانوار ، يتميز عن بقية النصوص التي كتبت بقلم الانبهار والافتتانبأضواء المدينة الباريسية ومعالمها الثقافية. فقد سافر الباهي عبر الزمن البارسي لينتج نصا بهيا،من يقرأ مضمونه ويسافر في زاده، ويتمعن في أفكاره، يخرج بفكرة مفادها أن محمد باهي حرمة كان رحالة بالسليقة، ومؤرخا بالفطرة، وصحفيا نحريرا.

وتطرقت الطالبة نجاة أخريف لموضوع السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم الثالث خلال السنوات ما بين 1959/1962، تحت عنوان “باهي محلل للسياسية الخارجية الأمريكية تجاه العالم العربي”،هذه السياسة التي كانت تتخبط بين الدعم وعدمه مراعاة لضمان مصالحها في هذه الاقطار من العالم، لذا كان باهي يرى أن هذه الدول يجب أن تتبنى النهج الثوري لأنه السبيل الوحيد أمام هذه الشعوب للخروج من تخلفها ولا تنتظر المساعدة من الغرب. أما الطالب الضاضعي مروانفقدم في مداخلته التي جاءت تحت عنوان”باهي سابر لاغوار الاستعمار”تحليلاتلكتابات باهي حول السياسة الاستعمارية ومحاولة الكشف عن أسرارها … فتتبع باهتمام كبير قضايا الدول التي كانت معرضة للاستعمار، خاصة القضية الجزائرية التي واكبها في كل مراحلها، وأشكال المقاومة وصداها الدولي والعربي والمغاربي وكذا السياسة الفرنسية الهادفة الى احتفاظ بالجزائر كمستعمرة لها، خاصة بعد فقدانها لكل مستعمراتها في باقي الاقطار الافريقية والاسيوية. ليقدم بعده الطالبأمين الخليع تحليلات وتأويلات محمد باهي ورده على الاطروحات الديغولية واضاءاته التاريخية حول مسألة استقلال الجزائر تحت عنوان حامل لدلالة ومكثف لمعنى: “محمد باهي الفاعل والمتفاعل مع استقلال الجزائر “.ليختتم الجلسة الطالب الباحثهشام الكثيري بمداخلة تحمل عنوان”محمد باهي حرمة الصحافي المؤرخ”، فقدم مزيجا إبداعيا بين التاريخ والصحافة،والتقاطعات بين باهي وأخرون، ركز فيها على حضورباهي كمؤرخ في الفرضيات والاستنتاجات العلمية وقدرته على التحليل العلمي الدقيق ومهارة المعالجة الصحفية للأحداث الطارئة ، مايجعل باهي مرجعا نوعيا قل نظيره في الكشف على خبايا التاريخ الراهن في مواضيع متعددة ومجالات واسعة بلغة ممتعة وأسلوب رفيع.

توجت الندوة بجلسة ختامية مؤثرة بطعم الوفاء والتكريم، حيث كانت الصحافية المثقفة اعتماد سلام على موعد مع الوفاء لفكر الباهي، فحاورت بعمق ورقي صديقه الذي صان تراثه أمبارك بودرقة (عباس)، والذي كان لحضوره رمزية خاصة. فتقاسم مع الحضور شهاداته وباحتذاكرته بخبايا حول الباهي محمد، وذكرياتهما المشتركة بلحظاتهما الفكرية والسياسية والأدبية الكثيفة.

 

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x