2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
وصدعت فرنسا بالحق
د.خالد فتحي
علينا أن نرحب برسالة إيمانويل ماكرون التي بث فيها لجلالة اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية حاضرا ومستقبلا ، و أن نعتبرها فاتحة خير، و تدشينا لنمط جديد من العلاقة بين الرباط وباريس قوامه الوضوح، والمسؤولية، والبناء على تحقيق المصلحة المشتركة للبلدين.
فأخيرا قد فهمت باريس أن الطريق إلى الرباط يمر ضرورة ولزوما من الصحراء المغربية.
لقد تمخضت فرنسا كثيرا قبل أن يولد هذا القرار ، سبقتها لذلك الولايات المتحدة الأمريكية، واسبانيا وألمانيا ،لكن الثابت أن الولادة حين تأخذ وقتها الكافي ،و تتم بطريقة طبيعية، تنجب مولودا سويا قابلا للحياة .فلابد أن فرنسا قد فكرت، وقدرت، وقلبت الأمر من كل جوانبه ، وطبخته على نار هادئة داخل عقلها الاستراتيجي، و اختبرته بوجدانها المصهور بفلسفة الأنوار وقيم الحق ، قبل أن يستوي لديها موقفا جريئا ،قاطعا ،حاسما، ونهائيا، غير ملتفتة ولا مكترثة بمغاضبة وتنطع الجهات المعادية لوحدتنا لها.
الاعتراف الفرنسي يعد اختراقا و فتحا عظيما للدبلوماسية المغربية التي يقودها ببصيرة نافذة وإصرار لا يلين جلالة الملك محمد السادس ، والذي صار المغرب في عهده يطاول ويناجز الكبار، فصاروا يدمجونه في حساباتهم، ،وفيما يرتب جهويا ودوليا، كشريك ذي مصداقية يمكن الوثوق به.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، نحن أمام قرار سيزيد من إحكام الطوق على خصوم وحدتنا داخل مجلس الأمن وكل المنظمات الدولية، سوف يحاصرهم أكثر، ويسفه طرحهم ،و يعري تهافتهم ،و يظهر لهم هوانهم في المشهد الدولي .
قرار فرنسا الذي يدق المسامير الأخيرة في نعش أطروحة الانفصال، سيكون له ،ولاشك ، مفعول الدومينو : اذ سيحتذى حتما بمثالها ،فهي عضو دائم بمجلس الأمن، وقائدة للاتحاد الأوروبي وزعيمة للفرنكفونية ، ولذلك لنا أن نترقب أن تبادر دول أخرى عضوة بالأمم المتحدة إلى الخروج من منطقة الغموض ،و إلى التأكيد على الحق المغربي دون لبس ولا مواربة. اليوم فرنسا ،وغدا بريطانيا .والصين، وروسيا… والحبل على الجرار.
هذا الموقف منصف للمغرب، ولكنه كذلك قرار محرر لفرنسا ومرض لضميرها ، هي التي سئمت الدلال الجزائري ،و ملت من الابتزاز ، ومن العنتريات الخاوية التي يقوم بها قصر المرادية لها، كلما همت أن تقول الحقيقة ،وبالتالي تكون قد انهت ترددها ،ولبست برسالة ماكرون أخيرا جبة الحكم في هذه القضية المفتعلة، وأدلت بالشهادة الحاسمة التي كان ينتظرها منها الجميع، بل و ها هي تختار أيضا توقيتا مدروسا و ذا دلالة لتصدع بالحق .فالتزامن المقصود مع احتفالات الذكرى الفضية لعيد العرش يوضح للعالم أن هناك بيعة ثابتة و راسخة بين ملوك المغرب وسكان الصحراء المغربية منذ قرون .
لا يجب أن يغرب عن بالنا أن هذا القرار الشجاع أتى في مرحلة انتقالية تمر بها فرنسا بعد تعذر تكوين الحكومة الفرنسية عقب الانتخابات المبكرة مما يدل على أنه قرار للدولة الفرنسية العميقة ، وهذا ما يؤرق الجزائر الرسمية التي تعرف أنه بهذا المعنى يكون القرار الفرنسي فوق الظرفية والتجاذب السياسي .
ثم هناك أيضا لغة الرسالة المحكمة جدا، والتي لا تحتمل أية تأويلات متضاربة…. فلقد تحدثت بوضوح عن سيادة مغربية حاضرا ومستقبلا، وعن الحكم الذاتي كأساس وحيد للحل السياسي المستدام ، وهذا ما يزيح اللبس للمغرب وللجزائر معا .
المؤكد أن قصر المرادية لم يفهم حين أخبره الاليزيه بقرار ه التاريخي المزمع اتخاذه ،أن الإخبار يدخل من باب إعداده إشفاقا للصدمة، خصوصا وأن هناك سو ابق مع إسبانيا ، تظهر ان الجزائر لا تتورع ان تحول التدخل في قرار سيادي لدول عظمى يهم صراعا تقول عن نفسها أنها غير معنية ولا ضالعة فيه ، ولكنه خاله وعده استشارة واستئذانا، مما يفسر نحيب البيان الجزائري الغريب و”توعده “لفرنسا بالانتقام . قد زعم الفرزدق أن سيقتل مربعات. ابشر بطول سلامة يا مربع!
ولكننا لا نظن من كل هذا وذاك الا ان فرنسا قد توقعت حالة الإنكار التي يمر بها عسكر الجزائر، والا انها قد خمنت سيناريو سحب سفيرهم من باريس كما جرى مع مدريد ، و انها انتهت إلى أن من حق الديك المذبوح رقصة أخيرة .
حقيقة لو كان أصحاب قصر المرادية يستوعبون ما يجري حقا حولهم ،لشكروا المجتمع الدولي الذي يساعدهم دولة عظمى تلو دولة عظمى بهذا القتل الرحيم لوهم فصل المغرب عن صحرائه المطبق بخناقه على عقولهم ، وهو في نزعه الأخير، ولكنهم لا يفقهون ولايرعوون.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.