لماذا وإلى أين ؟

مجلس جطو لم يكن منصفا في تقريره حول ملف التقاعد

نشر المجلس الأعلى للحسابات تقريره السنوي برسم سنتي 2016 و 2017، و كعضو باللجنة الوطنية للتنسيقية الوطنية لإسقاط خطة التقاعد، استأثرت باهتمام بالغ ما جاء في التقرير حول أزمة ملف التقاعد و لا سيما نظام المعاشات المدنية. لكن للأسف، و للوهلة الأولى بعد الاطلاع على مضامين هذا التقرير في شقه المتعلق بأزمة الصندوق المغربي للتقاعد، يتضح أن مجلس جطو لم يكن منصفا للموظفين المدنيين المساهمين في الصندوق المغربي للتقاعد و أن تقريره جاء مجانبا للصواب، و نسجل باستغراب شديد تخندق المجلس الأعلى للحسابات إلى جانب الحكومة في هذا الملف و تحميله المسؤولية لأزمة الصندوق المغربي للتقاعد إن وجدت للموظفين المدنيين المساهمين!

فالكل يعلم أن الأزمة بالصندوق المغربي للتقاعد هي أزمة تقنية و لم تكن يوما أزمة مالية، فهذا الصندوق لازالت تسجل ودائعه فائضا ماليا مهما تتجاوز 90 مليار درهم، لكن الدولة و بحكم أنها الجهة المتحكمة في تدبير هذا الصندوق عبر وزارة المالية تستحوذ على هذا المبلغ على شكل سندات مالية بالخزينة العامة للمملكة و لا تريد إرجاعه لصندوق المساهمين. كما أن المشكل التقني الكبير الذي يعاني منه الصندوق المغربي للتقاعد يتجلى أساسا في تخلي الدولة عن التوظيف و لجوئها لسنوات طويلة لسياسات تقشفية تنبني على تخفيف التوظيف و اخلاء الوظيفة العمومية من أطرها عبر محطات المغادرة الطوعية منذ 2005 و بالتالي التوجه نحو تقليص الساكنة النشيطة التي تغدي الصندوق المغربي للتقاعد. كما أن قرار الدولة الاعتماد على التوظيف بالعقدة في التعليم و توسيع ذلك ليشمل موظفي قطاع الصحة و اخضاع الموظفين العاملين بموجب عقود الى النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد RCAR بدل الصندوق المغربي للتقاعد CMR سيزيد من تعميق أزمة هذا الأخير و منذ اعتماد هذا التوظيف ستتجه ساكنة هذا الصندوق للتقلص التدريجي السريع و هو الشيء الذي ينذر بأزمة جديدة في المدى القريب. و بالتالي، أزمة صندوق المغربي للتقاعد هي أزمة تقنية سببها خيارات الدولة السياسية و الإدارية في التوظيف.

و الغريب في الأمر، أن قضاة مجلس جطو استحضروا في التقرير جميع المبادرات و الاجراءات التي اتخذت في ملف التقاعد باستثناء خلاصات و توصيات لجنة تقصي الحقائق التي شكلت بمجلس المستشارين سابقا و كانت نتائجها مهمة و جريئة و يمكن أن نقول أن هذه اللجنة قامت بتشريح الملف و وضعت اليد على الداء، و للأسف المجلس فضل استحضار توجهات الحكومة السابقة التي اتخذت قرارات تقنية مقياسية أدى ثمنها الموظف لوحده رغم أن هذا الأخير لا يتحمل مسؤولية الأزمة المفترضة فهو و منذ تأسيس الصندوق و بعد فصله عن وزارة المالية سنة 1997 يؤدي مساهماته الشهرية للصندوق بنظام و لا أحد يمكنه أن يشكك في أداء الموظف لواجباته لأن الاقتطاع يكون من منبع أجرته، على أن تصغي لخلاصات تقرير اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق و هذا يمكن اعتباره استهزاء بهذه اللجنة و بعملها و بمجلس المستشارين ككل.

فاللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق قدمت معطيات لا يمكن تجاوزها و هي التي تقدم حججا جد قوية على الأزمة التقنية التي يعانيها الصندوق. و تبقى الدولة و الجهات الساهرة على تدبير هذا الصندوق هي من تسببت في هذه الأزمة، فاللجنة تحدثت عن التسبيقات الممنوحة لنظام المعاشات العسكرية و الأنظمة غير المساهمة من فائض نظام المعاشات المدنية، في غياب رصيد احتياطي للمعاشات العسكرية، و هذا أمر خطير، فكيف يمكن للجهات الساهرة على الصندوق أن تغطي العجز الحاصل في نظام المعاشات العسكرية من الفائض المسجل بنظام المعاشات المدنية يعني النظام الذي يموله موظفو الدولة المدنيين؟

اللجنة البرلمانية تأكد لها كذلك، أن تدبير الصندوق المغربي للتقاعد، يميزه فساد كبير و هو ما يتجلى بشكل واضح من خلال حديث تقرير اللجنة عن منح معاشات بدون سند قانوني و معاشات أخرى تحوم حولها شبهات.

اللجنة توقفت كذلك عند اتخاذ الحكومات السابقة لقرارات سياسية و إدارية أثرت على مسار الصندوق عبر إصلاحات ترقيعية، دون القيام بدراسات اكتوارية و لا رؤية استشرافية و دون دراسة الأثار المالية لكل إجراء، و كذلك اخفائها للقيمة الحقيقية للديون المستحقة على الدولة لفائدة نظام المعاشات المدنية.

لا يمكن الحديث عن أزمة الصندوق المغربي للتقاعد دون التطرق لتملص الدولة و لعقود طويلة عن أداء واجبها و مستحقاتها للصندوق و كذلك عدم احتساب الفوائد المستحقة على هذه المتأخرات تجاه نظام المعاشات المدنية.
هناك أيضا إشكالات مرتبطة بحكامة تدبير الصندوق المغربي للتقاعد للأنظمة التي يسيرها و تتجلى أساسا في غياب الفصل بين هذه الأنظمة و الخلط بينها محاسباتيا.

للأسف، كنا ننتظر من تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن يكون واقعيا و موضوعيا أثناء تطرقه للملفات الاجتماعية و منها ملف الصندوف المغربي للتقاعد و لاسيما أن تقاريه تبقى مرجعا مهما للباحثين و الدارسين، لكن للأسف اختار قضاة المجلس هذه المرة أن يتخندقوا إلى جانب الحكومة و يقوموا باجترار كلامها فقط و هو كلام سياسي لا ينبني على أسس معقولة و صحيحة، و للأسف بمثل هذه التقارير غير الموضوعية يفقد المجلس الأعلى للحسابات مصداقيته.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد