لماذا وإلى أين ؟

ما خطورة تكفير “البيجيدي” للمقررات الدراسية المُقدمة للأطفال؟

في خرجة برلمانية غريبة المعالم والأهداف، هاجمت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية مقررا دراسيا مقدما لأطفال التعليم الأولي، بدعوى تضمين غلافه علم المثلية، والتي في الحقيقية ما هي إلا ألوان قوس قزح.

صاحب السؤال الكتابي النائب مصطفى ابراهيمي، لم يجد أي مشكلة اجتماعية اقتصادية سياسية ثقافية بيئية.. ما تحتاج للتسليط الضوء عليها غير ألوان عادية لقوس قزح مزينة في مقرر دراسي مخصص للأطفال دون السنة السادسة من عمرهم.

وما يطرح التساؤل أكثر في هذا الصدد، هو السبب الذي دفع ابراهيمي لخلط الأوراق والمفاهيم، عبر عدم التفريق وعن عمد بين ألوان قوس قزح التي يسعد المرء برؤيتها في السماء بعد هطول الأمطار كيف ما كان سنه ومرجعيته وموقعه الطبقي، وبين علم المثلية المعروف والمدعوم من طرف تيارات سياسية محددة أساسا في التيارات اليسارية والليبرالية الحداثية، وألم يكن حريا بذات النائب البرلماني تجاوز الوقوف عند ما هو سطحي بتحميل غلاف مقرر كتابي ما لا يحتمل، والتوجه للعمق والبحث في المضامين التربوية والبيداغوجية المتضمنة في هذا المقرر وتبيان إلى أي مدى تساعد أو تعرقل في تكوين ناشئة مبدعة مُكونة ومؤهلة.

فلربما كان الميدان البيداغوجي والتربوي سيسعد كثيرا لو قام ذات النائب البرلماني وبمساعدة باقي أعضاء وأطر حزبه بإعداد وثيقة ودراسة علمية مضبوطة حول الواقع الحالي لبيداغوجيا التدريس بالتعليم الأولي وطرح توصيات مضبوطة حول كيفيات تحسينها وتنقيحها بما يخدم تطوير المنظومة التعليمية المغربية، بدل التكفير وشن حرب “دينية” على ألوان عادية سطحية متضمنة في غلاف فقط.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن حزب العدالة والتنمية له الحق كليا في التعبير عن أراءه وتصوراته المبنية على مرجعية فكرية إيديولوجية يعتبرها البعض “رجعية وظلامية”، لكن الإشكال في هذا السؤال الكتابي الخارج كليا عن قواعد الصراع السياسي الديمقراطي الحضاري، هو الزج بفئة عمرية حساسة جدا في نقاش سياسي إديولوجي بعيد كل البعد عنها، وفي الاستغلال السياسي غير الأخلاقي للوحات تعبيرية عادية بغية تمرير خطاب ايديولوجي معين.

وغير بعيد عن هذا، ألا يعي أعضاء المجموعة النيابية لـ “البيجيدي” أن تعليم الأطفال قوس قزح وتدريبهم على رسم ألوانه إلزامي داخل المؤسسات التعليمية بكل بقاع العالم بما فيها المدارس المغربية، ولربما العديد منهم الذي درس بالمدارس العمومية قبل المد الظلامي يعرف جيدا معنى تلك الابتسامة العفوية الجميلة الموشومة على وجوه الأطفال أثناء حصة التربية الفنية وهم يتنافسون في رسم قوس قزح بأشكال مختلفة مذهلة، لنأتي الآن في العقد الثالث من القرن الواحد العشرين ونمنعهم من ذلك، ونطلب منهم الرسم بالأسود فقط.

إن تطبيق ما يطالب به حزب العدالة والتنمية في هذا السؤال الكتابي ينطوي على خطورة بالغة جدا من حيث أي أطفال وأي تنشئة نريد؟ فمنع رسم قوس قزح بألوانه الجميلة الساحرة، هو يعني كذلك وبالضرورة منع تدريس الفن والموسيقى والفكر النقدي إذا ما أسقطنا عليهم الفهم المُبيت الخارج عن سياقه المُتضمن في السؤال الكتابي “وقف المخطط المبيت لزعزعة النسيج الاجتماعي المغربي، من خلال التشجيع على الرذيلة، والتطبيع مع الفساد الأخلاقي، ولوقف برمجة أطفال وأجيال المستقبل على التفسخ والانحلال والفساد”، وهي عملية تؤدي بالضرورة للمساهمة في تكوين جيل جديد متزمت غير قادر على الإبداع والتفكير، جيل يحرم ويكفر كل ما يراه أمامه، كما أن تعليم الناشئة تكفير كتاب ما من غلافه فقط سيفقدنا كليا ملكة التحليل والنقد والشك والتي لا غنى عنها لتقدم المجتمع وتطويره.

إن حماية الأطفال كما يدعي إسلاميو “البيجيدي” يمر بالضرورة عبر حمايتهم من الاستغلال السياسي (وهو ما سقط فيه السؤال الكتابي)، وحماية مقرراتهم الدراسية والمناهج البيداغوجية المُعتمدة في بنائها من أي مفاهيم سياسية وايديولوجية تنصر تيارا على آخر، وصياغتها بدل ذلك على أفكار ومضامين تساعد الطفولة المغربية على التفتح والتفكير النقدي وتطوير الملكات الإبداعية لا على التكفير والإنغلاق، وشتان بين التفكير والتكفير.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

3 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
السباعي
المعلق(ة)
12 سبتمبر 2024 18:19

كن منصفا في تعاطيك مع الخبر النائب البرلماني لم يكفر احد لكنه انتقد وجود علم المثليين في كتاب مدرسي مغربي و انت ترميه بالتكفير ظلما و اذا انت ترى انه لا ضير في الوان قوس قزح فلربما تستهويك انت هاته الالوان او تريد شيوعها بين اطفالنا الله يهديكم كونوا موضوعيين الصحافة لازم تكون صوت محايد

Dghoghi
المعلق(ة)
11 سبتمبر 2024 17:21

تبرعو وكولو وشربو وتكرعو.. وفي المواقع التواصل الاجتماعي.. شرعو .. نعم تضحكون على شعب يسوده الفراغ والفقر والبطالة.. تضحكون على دقنه.. بتجارتكم للدين… لقد انتهت صلاحية خرافاتكم.. والتملق على المخزن..

ابو زيد
المعلق(ة)
11 سبتمبر 2024 16:02

كل يعمل بطريقته على إيجاد تبريرات لخطوات المجتمع المغربي متيقن من انها ليست وليدة صدفة و لن تكونوا اكثر تحررا و لا هيمنة من الولايات المتحدة التي تعرف نقاشا حادا حول تمرير أجندة المثلية في المقررات الدراسية!!
انا لست عدليا و لا احسانيا و لا نهجيا و لا…انا مواطن مغربي و لو كان من آثار موضوع الوان قوس قزح المبطنة يهودية الديانة لشددت على يده و لناصرته!!
ابناؤنا خط أحمر و سياسة هدم الأسرة الممنهج و القيم نحن على علم بها فلا تخلطوا علينا ما هو منطقي بإدخال الصراع البليد بين التيارات!!

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

3
0
أضف تعليقكx
()
x