2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

عاد ملف سبتة ومليلية المحتلتين إلى واجهة النقاش في إسبانيا، بعد صدور تقرير عسكري جديد أعده القائد في الجيش البري الإسباني إيميليو خوسي أرياس أوتيرو، ونشره المركز الأعلى للدراسات الدفاعية. التقرير الذي تناقلت مضامينه مصادر إعلامية إسبانية، حذّر بوضوح من أن إسبانيا غير مهيأة لمواجهة الضغوط المتزايدة التي يمارسها المغرب عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية وحتى مرتبطة بالهجرة.
التقرير أشار إلى أن المغرب اعتمد خلال السنوات الأخيرة استراتيجية متعددة الأبعاد للضغط على المدينتين، مستغلاً أوراق الاقتصاد والعلاقات الدبلوماسية، إضافة إلى ما وُصف بتكتيكات هجينة تشمل الهجرة ووسائل أخرى. وفي المقابل، يرى العسكري الإسباني أن مدريد ما تزال رهينة موقف دفاعي، يقتصر على ردود أفعال ظرفية بدل وضع رؤية استباقية تتحكم في إيقاع المواجهة.
كما لفتت الدراسة إلى الفارق الكبير في وتيرة التسلح بين البلدين، إذ يمضي المغرب في مسار غير مسبوق من التحديث العسكري بدعم من شركاء دوليين أبرزهم الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، عبر اقتناء أنظمة متطورة كالمسيّرات القتالية والفرقاطات ومنظومات الدفاع الجوي. بينما لم تبادر الحكومة الإسبانية، حسب التقرير، إلى رفع القدرات العسكرية بنفس النسق، ما يهدد بتغيير ميزان القوى في المنطقة.
التقرير انتقد أيضاً ما اعتبره ضعفاً في الموقف الدبلوماسي الإسباني، مذكّراً بعدم حصول الحكومة الإسبانية على مقابل واضح من نظيرتها المغربية نظير التنازلات الديبلوماسية التي قدمتها، وهو ما وصفه بأنه “رسالة ضعف” تشجع الرباط على تعزيز موقفها التفاوضي. وأضاف أن هذا النهج يفرغ خطاب الدفاع عن السيادة الإسبانية في سبتة ومليلية المحتلتين من مضمونه ويُضعف أدوات الردع.
ورغم استناد إسبانيا إلى عضويتها في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ذكّر التقرير بأن المدينتين لا تخضعان بشكل صريح للحماية المنصوص عليها في المادة الخامسة من معاهدة الناتو، ما يجعل أي اعتداء محتملاً موضوعاً للتشاور فقط بموجب المادة الرابعة. هذا الواقع، حسب أرياس أوتيرو، يطرح شكوكاً جدية حول فعالية الردع الغربي، ويضع مدريد أمام معادلة استراتيجية معقدة إزاء الضغوط المغربية.
إسبانيا ما زالت تتنازعها رؤى سياسية. متصارعة تتارجح بين تيارات محافضة تتملكها رؤيا فرنكاوية ماضاوية متوجسة من تطلعات مستعماراتها الى الانعتاق من علاقة غير متوازنة، وبين تيارات منفتحة وواقعية تسعى لخلق علاقات جديدة مع الجوار الافريقي خاصة المغرب مبنية على التعاون المشترك وخلق جسور الثقة المبنية على الاعتراف المتبادل بالحقوق الترابية، والمنافع المشتركة. الكرة إذن في الملعب الاسباني وعليه ان يحسم توجهاته بين من يريد العداء ومن يريد التعاون على قاعدة لا غالب ولا مغلوب.