لماذا وإلى أين ؟

“قصر بوسكورة: الصمت الذي أشعل الإشاعات “

يوسف بنشهيبة*

(قرار) هدم قصر الضيافة بمدينة بوسكورة أصبح يعد من أبرز الأحداث العمرانية التي أثارت نقاشًا واسعًا في المغرب خلال الأيام الأخيرة، ليس فقط بسبب حجم المشروع أو طبيعته، بل لما صاحب هذا القرار من مجموعة من التأويلات والتحليلات والشكوك. وتنوعت الآراء والنقاشات والأخبار التي تصدرت الصحف الوطنية، وبين غياب أو انعدام تواصل الإدارات أو المؤسسات العمومية مع ما من شأنه أن نسميه موجة من التساؤلات التي تتعلق، أولًا، بالأسباب وراء عملية الهدم ثانيًا، بالأسباب الكامنة وراء إلحاق باشا بوسكورة بالعمالة بدون مهمة ثالثًا، بماهية المخالفات، ورابعًا، بمن يتحمل المسؤولية، وخامسا، هل هناك تحقيقات إدارية؟

وبين هذا وذاك يجد المواطن نفسه أمام أمواج من التأويلات ينساق لأقربها، في غياب بلاغ رسمي واضح من السلطات المحلية أو من وزارة الداخلية يحدد للرأي العام ما جرى بالضبط. هذا الفراغ في التواصل فتح الباب أمام تضارب التأويلات والاجتهادات الفردية، بين من يرى أن الأمر يتعلق بقرار إداري لضبط التعمير وفق القانون، وبين من يرى أن القرار يحمل خلفيات سياسية، وبين من يرى أن صاحب المشروع ضحية لهذا القرار.

إن الحديث حول واقعة هدم قصر الضيافة بوسكورة — والتي لن أتحدث فيها عن الجانب القانوني، نظرا لغياب بلاغ رسمي من الجهات المعنية، وحيث أنني واجهت صعوبة في الحصول على المعلومة، وحيث أنه لا يمكن تأسيس قراءة قانونية في غياب معطيات أو معلومات يمكن الاستناد عليها، وفي المقابل لا يمكن أن أكتب مقالًا بشكل عام أسرد فيه النصوص القانونية المتعلقة بالتعمير والمخالفات دون أن تكون هذه القراءة القانونية مرتبطة بواقعة قصر بوسكورة وبحيثيات النازلة —، حيث يراد بالقراءة القانونية تقديم المعلومات القانونية وكشف اللبس والغموض، والإجابة عن العديد من الأسئلة، والقطع مع القراءات والتأويلات التي تنبني على خلفيات ودوافع سياسية أو شخصية… الخ

إن واقعة قصر الضيافة بوسكورة كشفت بجلاء عن غياب تواصل بعض مؤسسات الدولة مع المواطنين، وتوضيح اللبس والغموض وزخم التأويلات والتحليلات التي تصاحب العديد من الوقائع التي يعيشها المجتمع.

إن الحديث عن غياب تواصل بعض مؤسسات الدولة مع المواطنين عبر البلاغات الرسمية والندوات الصحفية…، هو حديث في نفس الوقت عن مدى تفعيل سياسة تقريب الإدارة من المواطنين، والتي ما فتئ يحرص جلالة الملك محمد السادس نصره الله على تعزيزها من خلال الخطب الملكية المتعلقة بإصلاح الإدارة، بداية من الخطاب الملكي السامي بتاريخ 12 أكتوبر 1999 أمام ممثلي الجهات والولايات ، وهي دعوة صريحة مباشرة إلى تأسيس علاقة جديدة بين المؤسسات العمومية والمواطن.

أقر دستور سنة 2011 بضرورة تحسين علاقة الإدارة العمومية بالمواطنين، وذلك من خلال المواد 12 و13 و140 و139، والتي نصت على مجموعة من المبادئ التي ينبغي أن يتسم بها هذا التواصل. ولعل التواصل بين الإدارة والمواطن من شأنه أن يقوي علاقة الثقة، بالإضافة إلى تكريس مبدأ الشفافية والحكامة، والنهوض بمستوى جودة الخدمات المؤسساتية وتطويرها.

بعد أن أصبحت التكنولوجيا والرقمنة تشكل رهانا استراتيجيا بالمغرب في السنوات الأخيرة، ليس فقط على مستوى تحديث وتجويد الإدارة، بل أيضا على مستوى تقريب المصلحة العمومية من المواطن، وتقليل التنقل إلى الإدارات والمؤسسات العمومية، وتعزيز الشفافية ومحاصرة الأخبار الزائفة، والملاحظ أنه ما تزال بعض الوقائع تكشف وجود فجوة بين حجم تطور الوسائل الرقمية وبين مستوى التواصل المؤسساتي، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار التأويلات — وهو ما ظهر في واقعة قصر الضيافة بوسكورة.

إن التكنولوجيا كآلية للتواصل المؤسساتي تتيح للدولة ومؤسساتها، في تفاعلها مع المجتمع بشأن القضايا والقرارات الإدارية التي تتخذها، استغلال هذه التكنولوجيا والرقمنة عن طريق نشر البلاغات الرقمية، وتأسيس صفحات رسمية لوزارات ومؤسسات الدولة…، مما يجعل التواصل أسرع ويمنح المواطن مصدرًا موثوقًا للمعلومة. كما أن التدخل الاستباقي لهذه المؤسسات من شأنه أن يقطع الطريق أمام العديد من التأويلات والتحليلات المغلوطة، وتضخيم القضايا، وانتشار روايات غير دقيقة تهدف إلى تشويه الحقيقة، والتي قد تكون دوافعها متعددة.

إن واقعة قصر بوسكورة تعيد إلى الواجهة ضعف تواصل بعض مؤسسات الدولة مع قضايا الرأي العام، في عالم رقمي ينتشر فيه الخبر الزائف بوتيرة سريعة مثل النار في الهشيم، خصوصًا عندما يغيب التواصل المؤسساتي أو يتأخر صدور المعلومة الرسمية. ويصبح الصمت الرسمي أو التأخر في البلاغ ثغرة تتغذى منها الإشاعة الرقمية، لأن الفراغ المعلوماتي يتم ملؤه تلقائيًا بالتأويلات. وفي ظل غياب المعلومة الرسمية، يصبح المواطن مجبرًا على الاعتماد على مصادر غير موثوقة، خصوصًا في القضايا الحساسة.

*باحث في العلوم الجنائية والأمنية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
بوشاوير عبدالقادر
المعلق(ة)
28 نوفمبر 2025 18:50

نحن في تعليقنا عما نقرأه من خلال ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي لانقصد الاساءة لأي أحد بل نساهم في بلورة وتوضيح ما مر عليه الكاتب في الموضوع مر الكرام من غير توضيح مع أن الموضوع في حد ذاته يتطلب أن نذكر بعض الأمور مثلا من ناحية التواصل مع المواطن كيف يمكن أن نبني هذا التواصل اذا عناصره غير متوفرة
عناصر التواصل هي الشفافية المصداقية الانضباط ومن دون هذه العناصر لا يمكن أن نجعل من التواصل حتى ولم تم شيئا ذا قيمة .
أن أكبر عدو للتواصل الصادق هو الفساد المستشري في جميع دوالب الإدارة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x