2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
الشيات لـ “آشكاين”: اتفاق تونس والجزائر “استعمار مقنن” يهدد التوازن في شمال إفريقيا
فجرت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية جدلا كبيرا حول مستقبل السيادة الوطنية في تونس، عقب كشفها عن بنود وصفتها بـ “السرية” في اتفاق أمني وقعته تونس مع الجزائر في أكتوبر الماضي.
وتفيد الوثائق المسربة بأن الرئيس التونسي قيس سعيد منح الضوء الأخضر للقوات الأمنية والعسكرية الجزائرية للتوغل داخل الأراضي التونسية لمسافة تصل إلى 50 كيلومترا تحت ذريعة ”مكافحة الإرهاب”، مع إمكانية الوصول إلى عمق المؤسسات السيادية عند الضرورة، ما اعتبره مراقبون نوعا من معاهدة ” الحماية” قدمها قيس سعيد طبقا من ذهب لجنرالات قصر المرادية.
وأوضحت الصحيفة أن التقارب الأمني الوثيق يعكس رغبة الرئيس التونسي في إيجاد “راع سياسي” إقليمي لتثبيت دعائم نظامه في ظل غياب دعم دولي واسع، مشيرة إلى أن بنود الاتفاق تفرض التزامات ثقيلة؛ منها تحمل تونس تكاليف هذه العمليات أو تعويضها بموارد طبيعية في حال العجز المادي، بالإضافة إلى إلزام تونس بإبلاغ الجزائر مسبقا قبل إبرام أي اتفاقات أمنية مع أطراف خارجية.
ويرى مراقبون أن هذه المعطيات تفسر التغير الجذري في بوصلة الدبلوماسية التونسية، التي باتت تتماهى بشكل كامل مع المواقف الجزائرية في قضايا إقليمية حساسة.
في نفس السياق، تبرز قضية “استقبال زعيم جبهة البوليساريو” في تونس كإحدى أبرز تجليات هذا الارتهان للموقف الجزائري؛ حيث أدى الانعطاف التاريخي في الموقف التونسي، الذي كان اتسم بالحياد الإيجابي لسنوات طويلة، إلى اندلاع أزمة ديبلوماسية صامتة مع الرباط، لا تزال تداعياتها مستمرة.
ويبدو من خلال تقرير “لوفيغارو” أن مجاراة سعيّد للأجندة الجزائرية لم يكن مجرد توافق سياسي عابر، بل نتيجة لالتزامات أمنية جعلت من السيادة التونسية “مسألة نسبية” مقابل ضمان الاستقرار السياسي الداخلي للنظام التونسي، اي بقاء قيس فوق الكرسي.
أما على مستوى استقرار المنطقة، فإن خطوة قيس سعيد تثير قلقا لدى الشركاء الدوليين، بمن فيهم الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، حيث يخشى هؤلاء من تحول تونس إلى “محمية أمنية” تابعة للجزائر، مما قد يغير موازين القوى في شمال إفريقيا ويذكي حدة الاستقطاب الإقليمي.
وتطرح المسألة تساؤلات حول مستقبل الاتحاد المغاربي في ظل تشكل محاور أمنية ثنائية تقصي أطرافا رئيسية في المنطقة، وتضع استقرار الجوار المتوسطي أمام تحديات جيوسياسية معقدة.

ما تأثير قرار قيس على استقرار المنطقة؟ وهل يظهر لماذا كان قيس دائما يجاري مواقف النظام الجزائري بما ذلك دعمه واستقباله لزعيم البوليساريو الذي كانت سببا في أزمة صامتة بين الرباط وتونس؟
بالنسبة لخالد الشيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، فإن الاتفاقيات المرتبطة بالدفاع المشترك، غالبا ما تكون ضمن منظومة اقليمية، أما الثنائية فتتطلب شروط الدفاع المشترك بين بلدين في حالة وجود تهديد أجنبي أو خارجي.
وشدد الشيات، متحدثا لجريدة ”آشكاين”، على أن توقيع اتفاقية أحادية الجانب تتيح للقوات الجزائر التدخل في الأراضي التونسية، بمثابة معاهدة ”حماية وليس اتفاق تعاون”، أي ببساطة، وفق ذات الخبير في العلاقات الدولية، نوعا من ”الاستعمار المقنن”.
وأوضح الأستاذ الجامعي عينه أنه من الناحية العملية يمكن أن تصير خطوة قيس سعيد ”نوعا من بيع المقومات الاستراتيجية التونسية للجانب الجزائري لغاية سياسية، ربما لضمان استمرار النظام السياسي الحالي، أو خدمة لأجندة جزائرية.
وأبرز الشيات أن الجزائر ”لاتريد أن تقف عند الحدود التونسية، بل تريد أن تتخطاها كي تصل الحدود المصرية، بمحاولتها ممارسة نفس التأثير على ليبيا أيضا”.
وأكد أن هذا النهج ”يتناسب مع العقلية الجزائرية الهيمنية التي لا تؤمن بالاندماج، بل بالضم والاحتلال، وبالتدخل وليس بالتعاون.
وخلص الشيات إلى أن المنظومة الاقليمية بالمنطقة تقودها مجموعتين متناقضتين، من جهة مجموعة يقودها المغرب مبنية على ”أسس التعاون والتكامل الاقتصادي”، ومن جهة ثانية الجانب الآخر الذي تقوده الجزائر فلسفته ”الهيمنة والتدخل، ويتطلب إيقافه في أقرب وقت ممكن”.