لماذا وإلى أين ؟

هل أصبحت “الحرب الباردة” “حربًا ساخنة”؟

نبيل عبد اللاوي

لم يعد توصيف “الحرب الباردة” كافيًا لشرح ما يشهده العالم اليوم من تحولات متسارعة في موازين القوة. فإسقاط نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل بوصفه محطة مفصلية تؤشر على انتقال المعسكر الغربي من سياسة الاحتواء والضغط غير المباشر إلى منطق الفعل الميداني الصريح، في مواجهة ما تبقّى من رموز “المعسكر الشرقي” أو حلفائه التقليديين.

“مادورو” لم يكن مجرد رئيس يواجه أزمة اقتصادية خانقة، بل كان يمثل أحد آخر الامتدادات الأيديولوجية للخطاب المناهض للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، وواجهة سياسية لمحور دولي ظل يرفع شعارات التعددية القطبية وكبح الهيمنة الأميركية. غير أن لحظة السقوط كشفت هشاشة هذا الخطاب أمام التفوق العسكري والتقني الغربي، وأظهرت أن الصراع لم يعد يُدار بالبيانات والتصريحات، بل بفرض الوقائع على الأرض.

هذا التحول يعيد إلى الواجهة سؤالًا أوسع: هل دخل العالم فعليًا مرحلة “الحرب الساخنة” بعد عقود من التوازن الهش؟ المؤشرات توحي بأن خطوط الاشتباك القديمة لم تعد قائمة، وأن أدوات الصراع تغيّرت، حيث بات الحسم العسكري، أو التهديد به، وسيلة مباشرة لإعادة رسم الخرائط السياسية.
في السياق العربي، يبدو المشهد أكثر تناقضًا.

فعدد من الدول لا تزال أسيرة خطاب “الاصطفاف الشرقي”، متمسكة بشعارات السيادة والممانعة، في وقت تُدار فيه معادلات القوة الفعلية عبر شراكات عسكرية وتسليحية مع الغرب. المفارقة أن اللغة السياسية بقيت في زمن الشعارات، بينما الواقع الأمني والعسكري يتحرك وفق منطق مختلف تمامًا، تحكمه الطائرات المقاتلة الغربية ومنظومات الردع الحديثة.

أمام هذه التحولات، يبرز سؤال القطب الواحد بقوة. فغياب رد فعل دولي وازن، أو قدرة حقيقية على كبح القرار الأميركي، يعزّز الانطباع بأن النظام الدولي يتجه نحو أحادية قطبية واضحة، أو على الأقل نحو اختلال حاد في ميزان القوى. لا الفيتو، ولا التحالفات التقليدية، ولا حتى الخطابات الكبرى، بدت قادرة على الوقوف في وجه الإرادة الأميركية عندما تقرر الانتقال من الضغط إلى الفعل.

في المحصلة، لا يوحي المشهد العالمي بأننا أمام نهاية “الحرب الباردة” فحسب، بل أمام ولادة مرحلة أكثر صراحة وخطورة، حيث تتراجع الأقنعة الأيديولوجية، ويُترك الميدان للوقائع الصلبة. عالم لا يكافئ من يرفع الشعارات، بل من يمتلك القدرة على فرضها.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
احمد
المعلق(ة)
4 يناير 2026 11:47

تجاوزا لما وصفه المقال بالانتقال من حرب باردة الى حرب ساخنة تتجاوز منطق الشعارات وتفرض واقعا سياسيا على الارض واقعا يغير موازن القوى لصالح القطب الواحد، لكن هذا الواقع يغير كل قواعد اللعب ويعصف بكل المواثيق التي شيد عليها القانون الدولي بعد الحرب العالمية التانية ويحشر الامم المتحدة في الزاوية ويحولها من اطار للتهدىة وفض النزاعات الى إطار مشلول ومنعدم الفعالية، وماطبق على مادورو الذي لا نتمنى عودته قد يسري على اي رئيس دولة لا يروق لمزاج العم سام، وهذا يدكرنا بما حصل بعد الحرب العالمية الاولى حين أراد هتلر إخضاع كل الدول الى منطقه وتصوره للعالم باستعمال القوة المفرطة مما ادى الى انهيار عصبة الامم التي شيدت على انقاض الحرب الاولى وادى الى اندلاع الحرب العالمية التانية، فهل نحن امام مشهد يعيد فيه التاريخ نفسه وامام وقائع بدات تندر بحرب عالمية ثالتة..؟

مواطن مغربي
المعلق(ة)
4 يناير 2026 01:09

التاريخ يعيد نفسه كما وقع لنورويغا بنما

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

2
0
أضف تعليقكx
()
x