2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”تسيير” رجال السلطة للجامعات المغربية يثير حفيظة أساتذة جامعيين
أثارت مضامين مشروع قانون التعليم العالي رقم 59.24، الذي يمر حاليا بمراحله الأخيرة في المسطرة التشريعية، غضب الأساتذة الباحثين، الذيم يرون أن بعض فصوله تتضمن تحولا جوهريا يسعى لنقل مركز القرار من الحرم الجامعي إلى رجال السلطة والإدارة.
ويعتبر الرافضون للمشروع أن فلسفته تتجاوز مجرد التعديل التقني لتصل إلى فرض وصاية ”بيروقراطية خارجية” تنهي عهد التمثيلية الأكاديمية.
ويرى الأساتذة الجامعيون أن المشروع الجديد ينسف التوازن الذي كان يقدمه القانون السابق 00.01، حيث كانت المجالس الجامعية تتمتع بشرعية نابعة من تمثيلية حقيقية للأساتذة الباحثين.
وفي هذا الإطار، أكد موحي غوداف، عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي، أن القانون الجديد، الذي جاء به الوزير ميداوي، ” لم يكن مجرد تعديل تقني لمنظومة قائمة، بل جاء باعتباره تحولا عميقا في فلسفة تدبير الجامعة العمومية، تحولا عنوانه الأبرز: نقل مركز القرار من الجامعة إلى الإدارة، ومن التمثيلية الأكاديمية إلى الوصاية البيروقراطية”.
وأوضح ذات الأستاذ الجامعي، في تصريح لـ ”آشكاين”، أن مشروع القانون ”أريد له أن يقدم في ثوب الإصلاح والتحديث، غير أن القراءة المتأنية لبنيته ومقتضياته تكشف أن هدفه الجوهري ليس تجويد الحكامة ولا تعزيز الاستقلالية الجامعية، بل إحكام القبضة على الجامعة، وإعادة هندسة هياكلها بما يجعلها أكثر خضوعا وأقل تمثيلا”.
وشدد على أن “القانون السابق 00.01، ورغم ما شابه من اختلالات ونقائص، كان يؤمّن قدرا من التوازن داخل الهياكل الجامعية. توازن لم يكن مثاليا، لكنه كان كافيا لمنح الشرعية لقرارات المجالس الجامعية ومجالس المؤسسات”.
أما اليوم، يشرح غوداف، ومع القانون 59.24، فقد تم ”نسف هذا التوازن بشكل ممنهج. إذ ستتحول مجالس الجامعات إلى مجالس ذات أغلبية إدارية صريحة، تُصاغ قراراتها بعقل إداري لا أكاديمي، وتُفرض بمنطق السلطة لا بمنطق الشراكة”.
وأبرز أن هذا التحول، سيفقد ”هذه المجالس جوهرها التمثيلي، وستتحول من فضاءات تقرير ديمقراطي إلى واجهات شكلية تُستعمل لإضفاء مسحة قانونية على قرارات معدة سلفا”.
وقال إن ”أخطر ما في هذا التحول ليس فقط إقصاء الأساتذة من مواقع القرار، بل نسف مبدأ الإلزام المعنوي للقرارات”، لافتا إلى أن ”الأساتذة، عبر نقابتهم، غير ملزمين عمليا بتنفيذ قرارات صادرة عن هياكل لا تمثلهم. بل أكثر من ذلك، من حقهم المشروع اعتبار هذه القرارات قرارات إدارية صِرفة، لا تمت بصلة لا للأساتذة ولا للموظفين، لأنها صادرة عن مجالس مُتحكم فيها، تفتقر إلى الحد الأدنى من المشروعية الأكاديمية”.

وذهب ذات الأستاذ الجامعي أبعد من ذلك، حين أكد أن رؤساء الجامعات والمؤسسات الجامعية، ومع دخول القانون حيز التنفيذ، سيجدون أنفسهم في ”مأزق حقيقي، فبدل أن يكونوا ضامنين لوحدة المؤسسة وميسّرين للتوافق داخلها، سيجدون أنفسهم في كل مرة مضطرين للبحث عن شرعية مفقودة لقرارات مجالس يترأسونها شكليا”.
وأضاف في هذا الصدد أن رؤساء الجامعات ”سيُرغمون، بحكم الواقع، على إعادة التفاوض خارج هذه الهياكل مع ممثلي الأساتذة، في مفارقة عبثية تكشف فشل المنطق الذي بُني عليه القانون”.
ويظهر من خلال كلام غوداف أن هناك تراجعا عما كان عليه الأمر في الماضي، حيث مجالس الجامعات، في صيغتها السابقة، تعرف، على حد تعبيره ”تمثيلية وازنة للأساتذة. فمجلس الجامعة، على سبيل المثال، كان يضم ثلاثة أساتذة عن كل مؤسسة تعليمية. ونفس الأمر بالنسبة لمجالس الكليات، التي كانت بدورها فضاءات حقيقية للنقاش الأكاديمي وصناعة القرار البيداغوجي والعلمي”.
اليوم، يقول القيادي النقابي: ”تم تفريغ هذه المجالس من روحها، ولم يعد حضور الأستاذ فيها سوى حضور رمزي لا يغير في موازين القوى شيئا. والنتيجة: قرارات بلا سند، وهياكل بلا روح، وجامعة بلا شرعية”.
وأشار إلى أن الوضع ”ازداد قتامة”، مع استحداث هيئة إشراف عليا فوق مجلس الجامعة، هي ما يسمى بـ”مجلس الأمناء”. مجلس مُعيَّن بالكامل من طرف الوزارة الوصية، ويضم في عضويته رجال سلطة ذوي مقاربة أمنية وإدارية، لا علاقة لها لا بالبيداغوجيا ولا بالبحث العلمي. و”هنا نكون أمام أخطر انزلاق: إخضاع الجامعة لمنطق الوصاية العمودية، وتعويض النقاش العلمي بمنطق الضبط والمراقبة”. يقول غوداف.
وأوضح أن “إدخال رجال السلطة إلى قلب القرار الجامعي لا يمكن فهمه إلا باعتباره تعبيرا عن فقدان الثقة في الجامعة وأطرها، ومحاولة لتطويقها بدل إصلاحها. وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي حول الاستقلالية الجامعية وربط الجامعة بمحيطها العلمي والاقتصادي”.
وكشف أن هذا المسار، إذا استمر، ”سيقود لا محالة إلى أزمة شرعية عميقة داخل الجامعة المغربية. أزمة لن تُحل بالقوانين ولا بالمراسيم، بل ستتفاقم بالمواجهة الصامتة، وبالشلل التدريجي لمؤسسات يفترض أن تكون قاطرة للتنمية والتفكير النقدي”.
وخلص المتحدث إلى أن ”الجامعة لا تُدار بالأغلبية الإدارية، ولا تُصلَح بالمجالس المُعيَّنة، ولا تُطوَّر بالمقاربة الأمنية. الجامعة تُبنى على الثقة، والتمثيلية، والشرعية الأكاديمية. وكل قانون يتجاهل هذه الحقائق، مهما كانت لغته أنيقة، لن يكون سوى حلقة جديدة في مسلسل إضعاف الجامعة العمومية، ودفعها نحو هامش لا يليق بتاريخها ولا بدورها المفترض في المجتمع”.
يا مغاربة لا تسقطونا في المحظور، وإلا فما الفرق بين نظام عسكري يقود الحياة المدنية من خلال الثكنات، وحياة علمية وثقافية وضعت تحت انظار مخافر الشرطة ورجال السلطة . ما الذي يحدث،،؟