لماذا وإلى أين ؟

عقدة اسم “المغرب” في الإعلام الجزائري

ذ. خولة زاوش*

ليست اللغة مجرّد وسيلة لنقل الخبر؛ بل هي في كثير من الأحيان مرآة لما يُراد إظهاره أو إخفاؤه؛ وفي هذا السياق، يلفت الانتباه نمط متكرر في بعض التغطيات الإعلامية الجزائرية، يتمثل في التحاشي الواضح لذكر اسم “المغرب”في سياقات يفترض فيها أن يكون الذكر بديهيًا وطبيعيًا.

خلال كأس العالم بقطر، تابع الرأي العام العربي والعالمي إنجاز المنتخب المغربي، باعتباره أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي المونديال؛ غير أن بعض التغطيات الإعلامية اختارت صياغات من قبيل: “إقصاء إسبانيا من الدور ثمن النهائي”، دون ذكر الجهة التي كانت من وراء هذا الإقصاء؛ ورغم أن الخبر صحيحا كمعلومة، إلا أنه منقوص دلاليًا؛مادامهيحجب الفاعل ويُبقي الحدث معلقًا في الفراغ.

الأمر نفسه تكرر عند الحديث عن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم، حيث طغت تعابير مثل “البلد المنظِّم” أو “البلد المضيف” بدل تسمية الدولة صراحة، حتى في سياقات لا تحتمل أي لبس أو حساسية لغوية. هذا النمط المتكرر لا يمكن تفسيره بالصدفة أو بالاقتصاد في اللغة، بل يوحي بوجود حرج رمزي في النطق بالاسم نفسه.

اللغة، في جوهرها، ليست محايدة؛فاختيار الكلمات أو إسقاطها يعكس موقفًا ذهنيًا وثقافيًا وسياسيا قبل أن يكون تحريرًا صحفيًا؛ فالاعتراف بالحدث دون الاعتراف بصاحبه هو شكل من أشكال “الاعتراف الناقص”، حيث تُقبل الوقائع حين تصبح غير قابلة للإنكار، لكن يُتحايل لغويًا على دلالاتها الرمزية.

هنا تبرز مفارقة ذات بعد بلاغي عميق، تُذكّر بما ورد في القرآن الكريم على لسان فرعون عند لحظة الغرق، حين قال: «آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل»، بمعنى أنه لم يُنكر الإيمان في لحظة ضعف فارقة؛لكنه لم يجرؤ على التصريح بالاسم، وكأن الاعتراف، حين يأتي متأخرًا ومثقلًا بالكِبر، يبحث عن صيغة تخفف من وطأته النفسية والرمزية.

المقارنة هنا ليست دينية بقدر ما هي لغوية–نفسية: في الحالتين، هناك واقع لا يمكن إنكاره، لكن يُعاد تشكيله لغويًا لتفادي الاعتراف الكامل به؛ فاللغة، حين تُستخدم بهذه الطريقة الفجة، تتحول من أداة وصف للآخر إلى أداة وصف ذاتية تتجاهل الآخر وتتحاشاه؛ الأمر الذي يخفي بين طياته حقدا جزائريا دفينا، وعقدة أبدية اسمها “المغرب”.

في النهاية، لا يُقاس نضج الخطاب الإعلامي بقدرته على المجاملة أو الخصومة، بل بقدرته على تسمية الأشياء بأسمائها، مهما كانت الخلافات السياسية أو الإيديولوجية؛فالتاريخ لا يُكتب بالتحايل، والحقائق لا تفقد وجودها لمجرد التلاعب في توصيفها، كما أن الأسماء، مهما أُريد لها أن تُغَيَّب، تبقى حاضرة؛ لأن الواقع لا يعترف بالصمت أو الفراغ.

*مختصة اجتماعية

حاصلة على ماستر في الصحافة والإعلام الرقمي من جامعة محمد الأول بوجدة

باحثة في سلك الدكتوراه في علم الاجتماع

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

5 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
عيسى دحمان
المعلق(ة)
15 يناير 2026 07:50

و ماذا عن إستعمال لفظ الجارة الشرقية

الصحراوي المغربي
المعلق(ة)
14 يناير 2026 19:05

ان الان ادن صلاة المغرب وهم يقولون قبل العشاء من المعدب فكريا ولغويا نطقا الدي له مرض في دماغه

احمد
المعلق(ة)
14 يناير 2026 13:54

عقدة المغرب في الخطاب الرسمي للجزائر، تجاوزت ماهو متعارف عليه من صرعات اديولجية قد تحدت بين الدول، وتحولت الى نوع من الهلاوس القهرية التي تصيب بعض المرضى الذين يرون اشياء لا يراها الناس العاديين، وتقض مضاجعهم بعض الاسماء والاصوات التي يكرهون نطقها او سماعها حتى لا تعاود الظهور في احلامهم الليلية، وهذا هو حال الجزائر ونظامها الذي اصبح مستشفا كبيرا يتير الدهشة والاستغراب عند الاجانب، أما عند المغاربة فقد اصبح يتير الاستهجان والشفقة، ومن خلال هذا الوضع المؤسف اكتشف المغاربة تألقهم. وسموهم الاخلاقي والحظاري الذي ما كان ليكتشفوه لولا هذا المجتمع المريض بآسمهم في الجوار.

Hafid
المعلق(ة)
14 يناير 2026 10:24

نص جميل لكنه ينقصه بعض المعطيات مثل عدم ذكر المغرب فقط فالمواضيع الجميلة لكنه يذكر عند الاحداث السيئة

Moh
المعلق(ة)
14 يناير 2026 00:17

وييه …هانتي تشوفي الشعب الفاقد للهوية والتائه في دروب البحث عنها وهي لم توجد اصلا كما قال فنانهم للكوميديا السوداء فلاكِّ….قال(جاء الفينيقيون ومكثوا قرونا فمضو ثم جاء البيزنطيون ثم الرومان ثم الاتراك وامضوا قرونا فذهبوا ثم جلء الفرنسيس فمكثوا قرنا ثم ذهبوا …) وازيد انا على قوله فماذا تبقى لكم من تاريخ او هوية سوى شظايا لا تلتحم

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

5
0
أضف تعليقكx
()
x