2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
انتظارات 2026: سنة التناوب الديمقراطي!
بقلم: عبد السلام الصديقي *
تبدأ السنة الجديدة 2026 في أفضل الظروف مقارنة بالسنة السابقة، وتحمل الكثير من الأمل لبلدنا. سنُبرز في بداية هذا العام مجموعة من العوامل الهيكلية التي تغذي هذا التفاؤل.
أولاً، أمطار الخير التي تهاطلت بغزارة على جميع أنحاء البلاد قد حسنت بشكل كبير من معدل ملء السدود، حيث وصلت إلى مستوى غير مسبوق منذ بداية العقد، مما يبشر بسنة فلاحية استثنائية. كما أن التنظيم الناجح لكأس الأمم الأفريقية الجاري قد وضع بلدنا في مركز الأخبار الأفريقية والدولية، من خلال تسليط الضوء على حسن ضيافة الشعب المغربي والقدرات التنظيمية للمملكة. وبغض النظر عن النتيجة الرياضية لهذه البطولة، فإن المغرب سيخرج منها رابحاً. وأخيراً، ستشهد سنة 2026 نهاية ولاية الحكومة الحالية، حيث من المقرر إجراء الانتخابات التشريعية الجديدة في شهر سبتمبر المقبل؛ انتخابات نتمنى أن تندرج في هذه الديناميكية الإيجابية التي يعرفها بلدنا، وهذه الإشكالية ستشكل محور هذا المقال.
نعتقد أن الانتخابات المقبلة يجب أن تؤدي إلى خريطة سياسية تعكس الرأي العام الحقيقي، وتلبي الانتظارات المتعددة للشعب المغربي، وخاصة شبابه. لقد حققت بلادنا بالفعل مكاسب كبيرة منذ تطبيق “التناوب التوافقي”، وبصفة خاصة منذ تولي الملك العرش. ففي ربع قرن من الحكم، شهد المغرب تحولات عميقة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذه التطورات واضحة للعيان ولكل شخص يقبل برؤيتها. بالتأكيد، وفقاً لقوانين التطور التاريخي، فإن أي عملية تطوير تولد تناقضات جديدة ولا تتبع أبداً مساراً خطياً بحتاً، وهو ما يفسر استمرار عدد من القضايا، وهنا بالضبط يتدخل العامل السياسي.
تأهيل السياسة
إن التحليل الدقيق للتكوين الاجتماعي المغربي القائم على تداخل مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية والثقافية، يبرز غياب تناغم واضح بين البنية الاقتصادية والبنية السياسية، إلى درجة أن الأخيرة قد تشكل عامل عرقلة لاستمرار التنمية الاقتصادية. وقد اتسعت هذه الفجوة مع الحكومة الحالية التي وضعت تقريباً الإشكالية السياسية والديمقراطية في حالة جمود؛ وهذا أمر “طبيعي” من حكومة يقودها رجال أعمال يحملون تصوراً نفعياً للسياسة: سياسة في خدمة رأس المال وليس المواطن.
وهو ما يقودنا إلى الدفاع عن خيار آخر أكثر فائدة لبلدنا وشعبنا؛ خيار يروم إعداد الظروف لتناوب حقيقي على السلطة مع أغلبية اليسار المتعدد، المؤهل أكثر لتنفيذ التوجيهات الملكية وتلبية انتظارات الشعب العامل وشبابه، وإعادة البلاد إلى مسار التقدم الاجتماعي بالتوازي مع التنمية الاقتصادية.
نفس ديمقراطي جديد
نتذكر الحماس الذي أثاره ما يسمى “التناوب التوافقي”، الذي سمح لأول مرة في تاريخ المغرب -باستثناء فترة حكومة عبد الله إبراهيم (1958-1960)- لليسار بقيادة الحكومة في شخص المرحوم عبد الرحمان اليوسفي. لقد حان الوقت للانتقال من التناوب التوافقي إلى “التناوب الديمقراطي” عبر صناديق الاقتراع، وفقاً لدستور 2011 الذي يختلف عن النص الذي كان جارياً به العمل عام 1998. في الواقع، الدستور الحالي لا يتعارض مع تعزيز العملية الديمقراطية، بل إن تطبيقه هو الذي يطرح المشكلة، على غرار العديد من النصوص القانونية الأخرى التي تتعرض لانتهاكات منهجية في مناخ من الإفلات التام من العقاب.
ينص الفصل الأول من الدستور على أن: «نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية، برلمانية واجتماعية. يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة». جميع المكونات متوفرة لبناء دولة حديثة وديمقراطية، ويجب ببساطة أن نأخذ الوقت الكافي لقراءة النص الدستوري من حين لآخر، والحرص على تطبيقه.
المغرب بحاجة إلى نفس ديمقراطي جديد لإعادة الزخم الحقيقي للحياة السياسية والخروج من حالة “البريكولاج” السائدة. وهذا يتطلب تجديد قواعد اللعبة السياسية لضمان تكافؤ الفرص والشفافية في الوقت نفسه. ولهذا الغرض، جميع الأطراف المعنية مطالبة بتحمل مسؤوليتها: الإدارة، في المقام الأول، تتحمل مسؤولية كبيرة في سير العملية؛ فهي الحاضرة في كل مكان والمطلعة على كل شيء والمزودة بوسائل هائلة، تمتلك جميع القدرات للتحرك، شريطة أن تفعل ذلك بنزاهة صارمة ومعاملة متساوية لجميع الفاعلين، وهو ما ليس عليه الحال دائماً في الممارسة العملية.
ثم الأحزاب السياسية، فهي مدعوة إلى وضع معايير واضحة لاختيار مرشحيها استناداً إلى ميثاق أخلاقي. للأسف، لا تزال هناك ترددات على هذا المستوى؛ لأن ما يهم بعض الأحزاب، وخاصة تلك المحسوبة على اليمين، هو وجود مرشح يمتلك شبكة علاقات واسعة –بما في ذلك مع أوساط مشبوهة– وحساباً مصرفياً “دسماً”. هذه الأوساط تعتمد فقط على المال ومستعدة لدفع الثمن المطلوب!
وأخيراً المواطن؛ يجب عليه ممارسة حقوقه بشكل كامل من خلال التسجيل في القوائم الانتخابية والمشاركة بكثافة في التصويت، ليعلم أن التغيير ممكن ويتم عبر صناديق الاقتراع، وأن الامتناع عن التصويت يخدم مصالح أعداء الديمقراطية.
وحدة اليسار.. طريق الخلاص
اليسار، المعروف عموماً بنزاهته واستقامته، ليس لديه خيار آخر لمواجهة قوى المال سوى الاعتماد على النضال وتعبئة الشباب، شريطة الخروج من تشتته المزمن. تُظهر التجربة العالمية أنه في كل مرة يتحد فيها اليسار تزداد قوته في المشهد السياسي، وهذا ما ينقص اليسار المغربي. هناك محاولات جارية نأمل أن تثمر لمصلحة بلدنا وشعبنا، لكن قبل ذلك، ثمة حاجة إلى توضيحات؛ إذ يجب التوصل إلى توافق بشأن عدد من الخيارات وبشأن هدف الانتخابات.
بين اليسار الحكومي واليسار الاحتجاجي الذي يرفض من حيث المبدأ أي مشاركة في إدارة شؤون البلاد، هناك فجوة كبيرة. حان الوقت لهذا اليسار “الراديكالي” أن يقوم بعملية تحول حقيقية ويشرع في إعادة هيكلته إن هو أراد فعلاً أن يكون فعالاً ويخدم مصالح الطبقات الاجتماعية التي يُفترض تمثيلها. وبهذا الشرط فقط، يستطيع اليسار المغربي تحويل الاستياء الشعبي إلى انتصار انتخابي. إن وحدة اليسار المسؤول والتعددي كفيلة بإحداث رجة حقيقية في المشهد السياسي المغربي؛ فالتغيير الديمقراطي ممكن.
*وزير سابق
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.