لماذا وإلى أين ؟

الدستور في إسرائيل نقاش مؤجل أم مستحيل؟

حسام بوزكارن

غياب دستور مكتوب في إسرائيل، كما هو معروف، راجع إلى خلافات بين التيارات السياسية والتيارات الدينية، التي تختلف فيما بينها في طريقة صياغة هذا الدستور، وليس نتيجة فراغ قانوني. وهذا ما صرح به استاذ القانون بكلية الحقوق في نتنانيا جوشوا سيغيف “يختصر سيغيف الأزمة في صراع داخلي حاد حول هوية إسرائيل، بين دولة دينية إثنية ودولة تدعي الديمقراطية، وما يتفرع عن ذلك من خلافات حول الأرض وحقوق الأقليات.” لذلك تم اعتماد قوانين الأساس للتغطية على هذه الصراعات، من خلال المبادئ الأساسية لهذه القوانين التي ترى أن دولة إسرائيل هي دولة قومية للشعب اليهودي، وأن أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي. وهذه الجزئية تتفق عليها جميع هذه التيارات، إلا أن هذه القوانين الأساسية لم تتطرق بشكل شامل لجميع جوانب الدولة. وترتبط هذه الخلافات بتناقض أساسي بين تعريف الدولة كيهودية والمطالبة بالديمقراطية، وهو تناقض لا يمكن حله دون إقصاء طرف.

فحتى مسألة الخلط بين اليهودية والديمقراطية في الأوساط الدينية قد تكون غير مقبولة، لتعارض الديمقراطية مع اليهودية، وهناك من يرى أنه يجب صياغة الديمقراطية على مقاس اليهودية في الأوساط الدينية، إلا أن هذا ليس موضوع نقاشنا. لذلك تم تأجيل صياغة دستور دائم إلى أجل غير مسمى.

فمرحلة ما بعد طوفان الأقصى أرى أنها زادت تعقيد الوضع، وهذا راجع إلى تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي تحولت إلى منطق قائم على الاستباقية، أي توسيع صلاحيات الكيان الصهيوني قبل وقوعه في أي عائق أو خطر. وهذه العقيدة تجعل صياغة دستور أمرا مستحيلا، لأن أي فتح لنقاش دستوري في ظل هذا الواقع الذي فرضه الكيان في المنطقة سوف يصطدم بسلطة الدولة الأمنية.

الخلافات السياسية الداخلية في الكيان واضحة، بل ازدادت وضوحا مع الصراع بين الحكومة والمحكمة العليا، خاصة بعد سعي حكومة نتنياهو إلى إقالة المدعية العامة جالي باهراف ميارا، بعد اختلافها مع الائتلاف القومي الديني الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو حول مدى قانونية السياسات التي ينتهجها. وقد قضت المحكمة العليا، في 14 ديسمبر، برفض مسعى الحكومة لإقالة المدعية.

وقبل السابع من أكتوبر، أطلقت حكومة نتنياهو عملية لإعادة هيكلة السلطة القضائية، وقال نتنياهو وقتها إن هذه العملية ضرورية لوقف تغول السلطة القضائية ووقف تدخلها في صلاحيات البرلمان. في المقابل، اتهمه الطرف المعارض بأن هذه الخطوة تمثل هدما لأحد أعمدة النظام الديمقراطي في إسرائيل كما يزعمون، علما أن وصف إسرائيل بالديمقراطية أصبح نكتة مضحكة للجميع.

حيث أن البروفيسور أهارون باراك، الرئيس السابق للمحكمة العليا الإسرائيلية، شن هجوما لاذعا على حكومة بنيامين نتنياهو وقال “هل ما زلنا ديمقراطية ليبرالية” وأجاب “لم نعد كذلك”.

كذلك شن رئيس المحكمة العليا سابقا في إسرائيل أهارون براك، هجوما على حكومة نتنياهو متهما إياه بتحويل إسرائيل إلى دولة تدار وفق لون سياسي واحد، في خطوة تهدد استقلال مؤسسات الدولة.

فبعد حرب السابع من أكتوبر أصبحت السلطة التنفيذية أكثر قوة، ويبرر ذلك باسم الأمن. إضافة إلى هذه الصراعات داخل الائتلاف القومي الديني، فإن تراجع أي دور لليسار في الساحة الإسرائيلية سيؤدي إلى غياب هذا النقاش حول الدستور، إلى أن حتى اليسار، أظن قد يعاد تشكيله ليصبح فقط يمينا ويمين اليمين، مع هيمنة الفاشيين وحدهم على تمثيل الساحة السياسية في إسرائيل، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر.

فحتى طبيعة المشروع الإسرائيلي نفسه تجعل الدستور أمرا مستحيلا، فإسرائيل ليست دولة محددة المعالم، بل مشروع مستمر في التوسع في كل من سوريا ولبنان، وضمها للضفة الغربية، إضافة إلى أطماعها التي أصبحت ظاهرة للجميع في تقسيم المنطقة والعالم العربي.

وفي سياق طبيعة المشروع الإسرائيلي، سئل بن غوريون مرة “أين هي حدود إسرائيل؟” فأجاب بأن “حدودها حيث يصل حذاء الجندي الإسرائيلي الأخير”. كما سئل شمعون بيريز عشية التوقيع على اتفاقية أوسلو “ما هي حدود إسرائيل؟” فأجاب “هناك ثلاثة أنواع من الحدود، هي حدود جغرافية سياسية سيتم الاتفاق عليها في المستقبل، وحدود أمنية تصل إلى مياه الخليج وبحر العرب وباب المندب، وحدود اقتصادية أوسع من ذلك كثيرا”

إذا، فإن أي صياغة لأي دستور ستقتضي من الكيان الصهيوني تحديد أراضيه وحدوده.

إذا فإسرائيل لا تواجه مشكلة في كتابة دستور فحسب، وإنما تواجه استحالة بنيوية في إنتاجه أو التوصل إلى أي مضامين له. إسرائيل دولة تعمل فقط وفق مصالحها الأمنية والسياسية وقتما يقتضي الحال، ولهذا فبنية الدولة ليست ملزمة بدستور، لأن الدستور سيقيدها أكثر مما قد يبرر أفعالها. لذلك تجعل التشريعات قابلة لتأويلها، فغياب الدستور يضمن لها استمرار المشروع الاستيطاني الإحلالي بلا أي قيود.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x