2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مساحة للبوح، بقلم ذ.عبد السلام القيسي
في ثاني كأس إفريقية يستضيفها المغرب، لم يكن الرهان رياضيا فحسب، بل كان رهانا على الخلاص. خمسون سنة من الانتظار، من الحلم المؤجل، اخْتُزِلَتْ في مباراة واحدة، وفي تسعين دقيقة مُحَمَّلَةً بما لا تحتمله كرة ولا لاعبون. راهن الجمهور على التتويج بكأس إفريقية ثانية، وراهن الساسة على كرة القدم بوصفها مُسَكِّنًا جماعيا لأعطاب التنمية، وبلسما رمزيا لأحزان مزمنة، وطقسا جماعيا ينتج الفرح، ولو مؤقتا.
غير أنه، في ليلة 18 يناير 2026، حدث شيء صاعق بملعب مولاي عبد الله بالرباط، وانقلب الحلم على أصحابه. لم تكن الهزيمة مجرد خسارة لقب، بل كانت انكسارا فجائيا للمعنى. فقد ألحق الخبث الكروي السنغالي، خلافا لكل التوقعات، هزيمة قاسية بالبلد المستضيف للدورة، وانتزع الكأس من بين أيدي الحالمين، أمام ذهول أكثر من ستين ألف متفرج، سلب منهم الحق في الصراخ، فاكتفوا بدموع خرساء.
كان الصمت، تلك الليلة، أبلغ من كل شيء. حتى إن “إبراهيم دياز”، وقد تحول من بطل محتمل إلى حامل للذنب، غرد كمن يكتب مرثيته:
«روحي تؤلمني… لقد حلمت بهذا اللقب بفضل كل الحب الذي قدمتموه لي. لقد حاربت بكل ما أملك… فشلت بالأمس… سيكون من الصعب علي النهوض؛ لأن هذا الجرح لا يلتئم بسهولة، لكنني سأحاول…».
لم يكن هذا المشهد معزولا في الذاكرة الرياضية؛ فقد أعادني، بقسوته نفسها، إلى واحدة من أعظم التراجيديات الرياضية في القرن العشرين: صيف عام 1950، حين خيم الصمت على ملعب الماراكانا بريو دي جانيرو. كانت البرازيل، الخارجة لتوها من رماد الحرب العالمية الثانية، تحتاج فقط إلى التعادل للفوز بأول كأس عالم في تاريخها. كان كل شيء مُعَدًّا للاحتفال؛ غير أن هدف “غيغيا”، لاعب الأوروغواي، في الدقائق الأخيرة، أصاب البرازيل في مقتل، وأسقط أكثر من مئتي ألف متفرج في هاوية ذهول لا قاع لها.
لَخَّصَ أحد اللاعبين البرازيليين، بعد سنوات، هول تلك الصدمة بقوله:
«إن ما كان مرعبا بعد نهاية المباراة ليس دموع الناس ولا ذهولهم، بل ذلك الصمت الثقيل الذي نزل على الماراكانا؛ كأن اغتيالا جماعيا حصد أرواح الحاضرين».
حَلَّتِ اللعنة، بعد ذلك، بحارس المرمى “مواسير باربوسا”، وحملته الجماهير مسؤولية الهدف الثاني، ليصبح بمنطق الألم الجماعي رمزا للتعاسة الوطنية. وبمنطق العقاب غير المكتوب، حبس نفسه في منزله خمسين عاما، إلى أن توفي في السابع من أبريل 2000.
من هذا الجرح المفتوح، استلهم الكاتب والروائي المغربي محمد الأشعري تأمله العميق في عموده الشهير «عين العقل» بجريدة الاتحاد الاشتراكي، وجعل من هذه النكسة مدخلا فلسفيا وأدبيا للتأمل في طبيعة كرة القدم بوصفها ”دينا جديدا“ أو ”طقسا جماعيا“، يتجاوز مجرد اللعب ليتحول إلى تراجيديا إنسانية تعكس انكسارات الشعوب وأحلامها المجهضة. يقول الأشعري: «في تلك الأمسية لم تُشْفَ الإنسانية من آلام الحرب، ولم ترقص البرازيل بميلاد عالم جديد. كانت الكرة، وحتى إن أصبحت دينا صاعدا وأصبح لها معبد لم تشيد الإنسانية مثيلا له من قبل، قد قررت شيئا آخر؛ قررت أن تكون اللعبة حربا ضروسا، يموت الناس فيها قتلا أو حزنا أو خيبة. ومع ذلك، تظل اللعبة لعبة؛ وكأن شيئا نزقا يبتكر المقالب، ولا يعبأ بما يدور في أذهان الناس».
وهكذا، لم تعد هزيمة 1950 حدثا رياضيا عابرا، بل جرحا غائرا في الوجدان البرازيلي، تسلل إلى الهوية الوطنية نفسها، وفرض حتى تغيير لون القميص من الأبيض إلى الأصفر والأزرق، كأن الأمة بأكملها كانت تبحث عن جلد جديد، وعن ذاكرة أقل وجعا.
هكذا تفعل كرة القدم: تمنحنا وهم الخلاص، ثم تذكرنا، في أقسى لحظاتنا، بأن لا شيء أكثر قسوة من حلم جماعي يسقط دفعة واحدة.
قيل لنا: هل تألمتم؟ قلنا: نعم تعلمنا.
*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها