2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
هندسة الجهل والإعلام الموجه: كيف تستعمل مواقع التواصل في استهداف الوعي المغربي؟
اشرف اولاد الفقيه
في زمن التحولات الرقمية المتسارعة، لم تعد المعارك بين الدول تخاض فقط بالوسائل الدبلوماسية أو العسكرية، بل أصبحت معركة الوعي إحدى أخطر ساحاتها. وفي هذا السياق، تبرز مواقع التواصل الاجتماعي كأداة مركزية في ما يمكن تسميته بـ هندسة الجهل، أي إنتاج الجهل وتوجيهه بشكل ممنهج لخدمة أجندات سياسية وإيديولوجية.
يجد المغرب نفسه اليوم في قلب هذا النوع من الاستهداف، خاصة عبر ما يقوم به الإعلام الجزائري الرسمي وشبه الرسمي، الذي انتقل من الخطاب التقليدي إلى توظيف مكثف للمنصات الرقمية من أجل تشويه الوقائع، وبناء سرديات مضللة، والتأثير في الرأي العام، سواء داخل المنطقة المغاربية أو خارجها.
تعتمد هذه الممارسات على منطق بسيط وفعال: ليس المطلوب إقناع المتلقي بالحقيقة، بل إغراقه بسيل من المعلومات المشوشة. فخوارزميات مواقع التواصل تكافئ المحتوى المثير للانفعال، وتمنح الأفضلية للخطاب العدائي، التآمري، أو الاستفزازي، على حساب التحليل الرصين والمعطيات الموثقة. وهكذا، تتحول المنصات الرقمية إلى بيئة مثالية لنشر روايات أحادية تقدم في شكل “حقائق” جاهزة.
في هذا الإطار، تختزل قضايا استراتيجية ومعقدة—مثل قضية الصحراء المغربية، أو دور المغرب الإقليمي في إفريقيا، أو خياراته الدبلوماسية—في مقاطع قصيرة وعناوين صادمة، تفرغ النقاش من أبعاده القانونية والتاريخية، وتستبدله بسرديات عاطفية موجهة.
هذا الاختزال لا يهدف إلى التبسيط، بل إلى إنتاج وعي زائف يقوم على الانطباع بدل الفهم.
كما يسهم هذا الإعلام في تآكل مفهوم الخبرة، من خلال الترويج لأصوات غير مختصة تقدم على أنها محللون أو باحثون، فقط لأنها تكرر الخطاب الرسمي نفسه. وفي المقابل، يتم التشكيك في المؤسسات الدولية، والباحثين المستقلين، وكل المعطيات التي لا تنسجم مع السردية المروجة. والنتيجة هي تسوية خطيرة بين الرأي والمعلومة، وبين الدعاية والمعرفة.
وتزداد خطورة هذه الممارسات حين تتقاطع مع منطق “فقاعات الرأي” الذي تفرضه الخوارزميات. فالمتلقي لا يتعرض إلا لمحتوى يؤكد قناعاته المسبقة، ما يعزز الانغلاق الفكري ويحول الاختلاف إلى عداوة. وهكذا، لا يعود الجهل مفروضا بالقوة، بل يصبح اختيارا مريحا داخل فضاء رقمي مغلق.
إن خطورة هندسة الجهل، في هذا السياق، لا تقتصر على الإساءة لصورة المغرب أو تشويه مواقفه، بل تمتد إلى إضعاف النقاش العمومي الإقليمي، وتسميم العلاقات بين الشعوب، وتحويل الخلافات السياسية إلى عداوات ثقافية وشعبية مصطنعة.
مواجهة هذا الواقع لا تكون بالانجرار إلى الخطاب نفسه، ولا بالاكتفاء بردود فعل ظرفية، بل عبر تعزيز إعلام مهني وذكي، يستثمر في التحليل، ويخاطب العقل لا الغرائز، ويعيد الاعتبار للمعرفة الموثقة وللخطاب الهادئ. كما تظل التربية الإعلامية والرقمية رهانا أساسيا لتحصين المجتمع من التضليل، وتمكين المواطن من أدوات التمييز بين الخبر والدعاية.
في معركة الوعي، لا ينتصر من يرفع صوته أكثر، بل من يمتلك المعلومة، والمنهج، والقدرة على بناء الفهم. أما الجهل حين يهندس، فإنه يصبح سلاحا صامتا، لكنه شديد الفعالية.
إن ما يواجهه المغرب اليوم في الفضاء الرقمي ليس مجرد حملات عدائية عابرة، بل تحولات عميقة في طبيعة الصراع الإعلامي، حيث لم تعد المعلومة وحدها كافية، بل أصبح أسلوب تقديمها، وسياقها، وقدرتها على بناء الفهم، عناصر حاسمة في معركة الوعي.
وعليه، فإن الرهان المطروح أمام صناع القرار لا يقتصر على تدبير الأزمات ظرفيا، بل يقتضي بناء استراتيجية وطنية متكاملة للتواصل والتأثير، تستثمر في الذكاء الإعلامي، وتربط بين الدبلوماسية، البحث الأكاديمي، والإعلام المهني. فالدفاع عن القضايا الوطنية لا يتم بالصوت المرتفع، بل بالحجة، والمعطى، والقدرة على مخاطبة الرأي العام الدولي بلغته وأدواته.
أما الإعلاميون، فمسؤوليتهم اليوم مضاعفة. لم يعد كافيا نقل الخبر، بل بات مطلوبا تفكيك السرديات المضللة، وشرح السياقات، واستعادة ثقة المتلقي عبر الالتزام بالتحليل الرصين والأخلاقيات المهنية. فالإعلام الذي ينجرف نحو التبسيط المخل أو الرد الانفعالي، قد يحقق تفاعلا لحظيا، لكنه يخسر المعركة الأهم: معركة الوعي طويل المدى.
إن مواجهة هندسة الجهل لا تكون بالإنكار ولا بالتجاهل، بل بإنتاج معرفة مضادة: هادئة، دقيقة، ومقنعة. ففي زمن السوشيال ميديا، يصبح الصمت خطأ، ويصبح الارتجال خطرا، بينما يظل الاستثمار في العقل والوعي هو الخيار الأكثر نجاعة واستدامة.
*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها
On aurait aimé lire Cet Article court et concentré pas si long Quoi que c’est bien et bien dit ce serait mieux s’il “était court
هذه النصائح هلامية وعامة ولا تتماشى مع واقع السوشيال مديا نفسه الذي يعج بالغث والسمين وبقدر ما هناك تفاهة وهندسة للجهل عبر هذه الوسيلة المتاحة هناك في الجانب الاخر معلومات موثوقة ومؤكدة وسهلة المنال عبر الفضاء الازرق، والفرق بين من يسقط ضحية هندسة الجهل، ومن يحاربها، هو الفرق بين من يتحكم في المعطيات ويوظفها بنجاعة عبر الذكاء الاصطناعي، وبين من يستسلم للرداءة والروباغندة ولا يحارب على الفضاء الازرق بكفاءة ومهنية عالية للرد على التراهات.