2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
أي أفق دستوري لمؤسسة القبيلة؟
المهدي رحالي
تعيش المجتمعات عدة تغيرات، وتعرف معها مؤسساتها ومنظوماتها عدة تغيرات موازية. كالقيم والأخلاق، والمدرسة والشارع والأسرة.
لكن قلما ما تناقش القبيلة كمؤسسة حاضرة وبقوة، تاريخيا ووجدانيا. رغم دورها في تأطير سلوكنا وقناعاتنا وطموحاتنا. لكن يبقى تعريف القبيلة يتغير مع تغير المجال الذي نقاربها بمنظوره، فالقبيلة من الناحية الدينية هي الرحم، ومن الناحية السوسيولوجية هي نقسيم أدوار، ومن الناحية الأنثربولوجية هي نسق ثقافي ورمزي، ومن الناحية السياسية هي الولاء.
لكن ما يلاحظ هو أنه مهما غيرنا زوايا التحليل ومحاولة الفهم، هو تراجع حضور هذه المؤسسة بشكل واضح من حياة الفرد، السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية-الصوفية. بالتالي تقلص الأدوار السامية التي لعبتها هذه المؤسسة المحورية في تاريخ البشرية.
فهل يمكن إعادة إحياء هذه المؤسسة في القرن 21، لتواكب احتياجات أفراده وتساير سرعة مؤسساته. في اعتقادي الجواب هو: نعم، وبقوة. فهذه المؤسسة لها قدرة على التجدد والمسايرة، ولعب أدوار طلائعية في هذا العصر.
فما هي أهم الأدوار التي يمكن للقبيلة الرجوع للعبها؟ وما الاختلاف الجوهري بينها وبين الحزب؟ وما مدى وملاءمتها لمرجعية الدولة؟
أدوار القبيلة
أ- الحفاظ على التراث والهوية الخاص بها:
تتميز كل منطقة بمعالم تاريخية وتراث مادي وغير مادي، فلا يمكن أن نجد أغير من أبناء المنطقة عليه. فأبناء القبيلة هم الحصن الأول للهوية والتراث، فمن خلال التعاون مع نسيج الجمعيات والتعاونيات والفاعلين الاقتصاديين والمثقفين المحليين، يمكنهم العمل لتحصين الهوية المحلية من العولمة والتمييع والتزييف. كما الاعتناء بمراقد أعلامهم وأضرحة أوليائهم الصالحين. كما المساهمة في تنظيم زيارة وحج الطوائف والوفود والفقراء الزائرين لهم والمقيمين عندهم. كما رعاية الرصيد العلمي الذي راكمه طلبتهم، ويتركه علمائهم. إضافة إلى ترميم معالمهم بناياتهم التاريخية. كما تجديد وإحياء المنارات العلمية، التي لا توجد قبيلة إلا ولها حظ منها.
ب- نظم رعاية وتكافل اجتماعي، قبلية وبين-قبلية:
فأهل القبيلة هم أدرى بأبنائها وأسرها الفقيرة والمعوزة. كما أنهم أدرى بكيفية تنظيم الدعم وتدفق المساعدات، الاتية من الدولة وكافة المتعاونين. فيمكنهم مثلا إدارة قوافل طبية وإنسانية واجتماعية بشكل دوري لمناطق تمثيلها، كما يمكنها المشاركة في تنظيم الأسواق والمواسم، لتسويق المنتجات وترويج الاقتصاد الاجتماعي المحلي. كما يمكنها دعم الأفراد لتجاوز المحن المادية، ودعم الشباب في مشاريعه ودراسته، كما دعم الأسر في الأفراح كالأعراس والعقائق، والأحزان كالجنائز.
كما يمكن الارتقاء إلى تأسيس صناديق تضامن يديرها مجلس القبيلة، ولما لا حتى إدارة استثمارات ومشاريع بملكيتها، تعود أرباحها بالنفع على أبنائها.
ت- الوساطة القضائية والأسرية، ومساعدة القضاء والدولة في استراتيجيات الإصلاح المجتمعي:
حيث يمكن لهذه المؤسسة القيام بأدوار جد مهمة في الوساطة، وحل الملفات التي تجد الدولة نفسها غير قادرة على حلحلتها، والدفع لانفراجها. وفي نفس الوقت يشكل إبقاءها ومعالجتها ضغطا على مواردها البشرية. كما يهدر زمنها القضائي والاستراتيجي. فلما قد نمثله هذه المؤسسة من قوة ناعمة، يمكنها بشكل ممتاز التقريب بين وجهات النظر والمواقف، والإقناع على رد الحقوق والتغافل عن الصغائر، خصوصا في المشاكل الأسرية والنزاعات حول الأملاك والمشاريع المشتركة.
ج- رعاية أراضيها السلالية وتنظيم استغلالها:
طالما كان هذا الموضوع من أكثر الملفات المثيرة للجدل، لكن يمكن اسناد دور تدبير وتسيير هذه المناطق إلى هذه المؤسسة -طبعا، تنسيق مع السلطة والمجالس المنتخبة المحلية كما مجالس الوصاية الإقليمية والمركزي- للقيام بمختلف الأنشطة ذات النفع على ذوي الحقوق، كما مراقبة وتتبع التزامات الأطراف المستفيدة من هذه الأراضي، من الناحية القانونية والمالية وحتى البيئية والاجتماعية.
كما يمكن إشراكها في القرارات بشكل أوسع من الاليات الجاري بها العمل حاليا، كالمشاركة في تجويد النصوص ذات الصلة والقرارات المتخذة في جميع مناطق امتداد القبيلة، بين الجماعات والأقاليم والجهات.
د- توثيق وتأريخ القبيلة والمنطقة:
إنه ليحز في النفس عندما تجد أن للمغرب قصصا ووقائع وبطولات تاريخية، لا تجد طريقها إلى الذاكرة الوطنية، وأحيانا حتى الذاكرة المحلية. فتجد مثلا الفاعل الأكاديمي يجد صعوبة في ثقفيها وتتبعها، وإيجاد حتى أولى الخيوط للوصول إليها. والأكثر خطورة هو ملء هذا الفراغ بالتراشقات الإيديولوجية، المزايدات السياسية والعنصرية القبلية. كل هذا يمكن حله بإشراك القبيلة في مهمة الثقفي والتواصل مع المعمرين والمعنيين بهذه الذاكرة، وتأسيس أرشيفات محلية تكون لها الفائدة في هذا الشأن.
كما يمكنها الإسهام في إعداد شجرة الأنساب وتوطيد أواصر الاخوة والمحبة، بين مختلف الأسر المستقرة والمهاجرة من نفس القبيلة، وتنظيم التواصل والزيارات مع أبناء العمومة خارج وداخل المغرب.
ما الفرق بين القبيلة والحزب؟
من خلال ما سبق قد يظهر تعارض مع المشروع القبلي والمشروع المجتمعي، لكنه على العكس، فهذه فرصة حقيقية للفصل بين منطق الحزب ومنطق القبيلة. فهنا المشروع القبلي هو أي مشروع يأتي ويبلور على أسس وخلفيات قبلية، على عكس المشروع المجتمعي يأتي صالح الفرد والمواطن المغربي دون أي تمييز على أساس أصوله، بمعنى أن المشروع القبلي هو مكمل للمشروع المجتمعي، وهو الذي بفصّل في الخصوصيات والفروقات التي نجدها من طنجة إلى الكويرة.
حيث سينعكس هذا التمييز بين هذين المشروعين على بعض الفاعلين داخل الأحزاب والمؤسسات، الذين يطغى على سلوكهم وبرامجهم منطق القبلية، بإعطائهم سياق واضح وصريح للعمل على أهدافهم، دون تأثير على المصالح التي لا تقبل هذا المنطق، وتقبل فقط منطق الدولة ومصلحتها العليا.
فيمكن لهذه المؤسسة التعاون مع المجالس الترابية المنتخبة ومؤسسات الدولة، لإنجاح وبلورة كل من مشاريع الثقافة واللغة واللهجات ومشاريع الجهوية المتقدمة، وغيرها، التي تتطلب أكبر إحاطة ممكنة للحيثيات ومراعاة للخصوصيات.
بالنسبة للمرشحين للفعل في هذه المؤسسات، فعلى القبيلة أن تنتخب أفضل أبنائها لتحمل مسؤولية التدبير، والتمثيل أمام مؤسسات الدولة. لكن يجب معرفة أن وضع هذه المؤسسة يبقى متأثرا بالمناخ السياسي والتدبيري العام، أي صلاح النخب الفاعلة من عدمه في هذه المؤسسة المفترضة، هو ليس إلا امتدادا للمناخ العام لاشتغال وتجديد النخب.
أي موقع للقبيلة في الدستور؟
قد يعني هذه المؤسسة هي الفصول ذات الصلة بالتمثيل والتأطير والجهوية المتقدمة. حيث من خلال ما سبق نجد مؤسسة القبيلة تلتقي مع روح العديد أتى به دستور 2011، لاسيما الفصول 1 و5 و136 و142 و144.
فلا يمكن لهذه المؤسسة المفترضة أن تأسس إلا بتنصيص بالوثيقة الأسمى. إذ أن هذه الأدوار تلزم تحديدا واضحا وإرادة جلية لاشتغالها. فمؤسسات من هذا النوع هي فريدة من ناحية الطبيعة، لذا تحتاج لإرساء دقيق لها بين المؤسسات، وإدماج محكم بين السياسات.
وخصوصا أنه قد يذهب البعض إلى أن هذه المؤسسة ستتعارض مع روح العديد من النصوص الدستورية، كمبدأ المساواة في الفصول 6 و31 و152. يمكن الرد على هذا الكلام بأن القبيلة ستكون قيمة مضافة للحد المعقول، الذي توفره الدولة، وليس بديلا عنه، ولن يكون الانتماء للقبيلة شرطا للاستفادة منه.
كما قد يتم الاعتقاد أن هذه الوجهة تكرس التمييز على أسس عرقية ولغوية، فحسب الفصل السابع : “لا يجوز أن تؤسس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، وبصفة عامة، على أي أساس من التمييز أو المخالفة لحقوق الإنسان.”
وهنا الجواب بسيط، القبيلة ليست ولا يمكن أن تكون حزب، بل هي كيان مواز له في التسيير والتدبير بصلاحيات أقل. الحزب بنية حديثة والقبيلة بنية تقليدية، الحزب له مشروع اجتماعي والقبيلة لها مشروع قبلي. فرغم تقليدية مؤسسة القبيلة، إلا أنه لا تزال بإمكنها لعب أدوار سامية وراقية تصب في مصلحة المجتمع والدولة. في انسجام تام مع الدستور وأدوار باقي المؤسسات.
الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.
يمكن للقبيلة ان تكون اداة للتعبئة والعمل في إطار عصري ضمن ديمقراطية تشاركية تعتمد الرفع من قيمة الفرد داخل القبيلة وتمكينه من تبوء مراكز متقدمة في بنية القبيلة تتيح له مركز قيادي سياسي او اقتصادي ومالي، لكن يجب ان لا يتعارض هذا الدور مع البنية الادارية للدولة ومع الهيكل السياسي الذي تعتمده مؤسساتها، ويمكن ابداع صيغ تدمج القبيلة في النسيج السياسي بكيفة تضمن التكامل والتواصل المبني على الاعتراف المتابادل بين باقي مكونات المجتمع.