2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
غارسيا لوركا.. مرآة إسبانيا المنفية داخل نفسها
عبدالحميد البجوقي
في مسارح إسبانيا هذه الأيام وخصوصًا في الأندلس، لا يكتفي فيديريكو غارثيا لوركا بأن يكون ذكرى محفوظة في كتب المدرسة بل يعود حيًّا، صوته يتردّد على الخشبة ويسري في الجسد ويتغلغل في الموسيقى ويستقر في الصمت الذي يسبق التصفيق.. عروض مسرحية جديدة لأعماله، قراءات شعرية وموسيقى تعود إلى “الكانتي خوندو” الأندلسي العميق، كأن إسبانيا تستدعي شاعرها كلما شعرت بأن ذاكرتها مهدَّدة بالنسيان.
لم يكن لوركا ابن غرناطة شاعر مدينة واحدة، بل شاعر جرحٍ تاريخي كامل. وُلد حيث يتجاور الضوء والظل وحيث لا تزال الحجارة تتكلّم لغةً أقدم من الدولة الحديثة. كان يعرف أن الشعر ليس ترفًا جماليًا، بل طريقة لفهم الألم. لذلك كتب:
“الشعر لا يريد أتباعًا، بل عشّاقًا“
وكأنه كان يدرك أن مصيره سيكون العشق حتى الموت.
اغتياله في أغسطس 1936 على يد القوات الانقلابية الفرانكوية لم يكن تصفية جسدية فحسب، بل كان محاولة لإسكات إسبانيا الأخرى، إسبانيا الغجر والنساء والمهمّشين وأبناء الذاكرة المختلطة. ومع ذلك ظل صوته أعلى من الرصاص، لأن ما كُتب من دم لا يُمحى.
يحتل الغجر في شعر لوركا مكان القلب. لم يعِشهم لوركا كصورة فولكلورية بل كقدر إنساني. في “رومانسيرو الغجري” تتجاور السكاكين والأقمار والخيول والدم في لغة مُشبعة بالليل. يقول في أحد أشهر مقاطعه:
“أخضر، كم أحبك أخضر…
أخضر الريح، أخضر الغصون..”
اللّون هنا ليس وصفًا بل حالة وجود وحياة معلّقة بين الرغبة والموت.
الأندلس عند لوركا ليست جغرافيا، بل ذاكرة مقموعة.
وهو، دون خطاب سياسي مباشر، أعاد الاعتبار إلى الروح التي حاولت إسبانيا الرسمية محوها، روح التعدد والاختلاط واللغة التي تحمل أكثر من أصل..
أما الموريسكيون، أولئك الذين طُردوا من أرضهم ومُحيت أسماؤهم من السجلات، فلم يحضروا عند لوركا بخطاب مباشر بل كطيفٍ لا يغادر النص. الأندلس عنده ليست تاريخًا منتهيًا بل فقدًا مستمرًا. في إحساسه العميق بالغياب وفي حنينه إلى البيوت المغلقة والأنهار الصامتة نسمع صدى مأساة لم تنتهي وجرح لم يندمل.
من بين أكثر نصوصه دلالة، قصيدته التي تمرّ فيها عائشة وفاطمة ومريم، نساء موريسكيات يقطفن الزيتون تحت شمسٍ لا تنسى أسماءهن. قصيدة بسيطة في ظاهرها وعميقة في معناها، تحوّلت لاحقًا إلى أغنية وانتقلت من الورق إلى الصوت، كما لو أن لوركا أراد لها أن تعود إلى أصلها الشفهي، إلى الغناء الذي لا تعترف به السلطة لكنه يعيش في الناس. ذكر الأسماء الثلاثة، المسلمة والمسيحية معًا، لم يكن اعتباطيًا بل إعلانًا شعريًا عن هوية أندلسية لا تُختصر في دين واحد ولا في سردية واحدة.
لم يَزُر لوركا المغرب، لكنه كان يسمعه. كان مأخوذًا بالإيقاعات المغربية-الأندلسية، وبالأنين الموسيقي الذي عبر البحر وبقي حيًا في الضفة الأخرى. حين كتب عن “الكانتي خوندو”، كان يكتب عن الغناء بوصفه ذاكرة جريحة، لا بوصفه زينة فنية. وهذا ما يجعل شعره قريبًا من الروح المغربية كما يجعله مألوفًا للأذن المغربية كأنه قادم من المكان نفسه وإن كُتب بلغة أخرى.
لوركا كان يعرف أن الأندلس لا تنتهي عند جبل طارق وأن ما ضاع في إسبانيا بقي حيًّا في فاس و تطوان وشفشاون وفي المقامات وفي الأشعار وفي الذاكرة الشفوية.
لذلك يبدو شعره مألوفًا للقارئ المغربي، كأنه يُقرأ من داخل البيت لا من خارجه.
لهذا السبب بالذات يعود لوركا اليوم إلى المسارح الإسبانية. ليس لأنه ضحية تاريخية فقط، بل لأنه شاعر الأسئلة التي لم تُحلّ بعد، الهوية والقمع والخوف من المختلف وحق الهامش في الكلام. يقول لوركا:
“أحترق كي أضيء..“
وقد احترق فعلًا، لكنه ترك ضوءًا لا يزال يقاوم العتمة.
لوركا لا يُستعاد اليوم بوصفه ماضيًا، بل بوصفه حاضرًا قلقًا. كل عرض مسرحي وكل قصيدة تُقرأ له اليوم، هي فعل تذكير بأن الشعر قد يُغتال، لكنه لا يُهزم وأن الأندلس مهما تغيّرت أسماؤها وحدودها ما زالت تتكلّم بصوته.
ولهذا لم يبقَ لوركا حبيس اللغة الإسبانية، بل عبر سريعًا إلى العربية، لا بوصفه شاعرًا أجنبيًا يُقرأ، بل كجزأ من الذات. ظهر لوركا في الشعر العربي الحديث كأخٍ أكبر سبق الآخرين إلى المصير نفسه، شاعر يُغنّي من الهامش، فيُقتل لأن الغناء أخطر من الخطابة.
محمود درويش من أوائل من شعروا بهذه القرابة. لم يكتب عن لوركا بوصفه ضحية للفاشية بل بوصفه شاعرًا اغتيل لأنه سبق زمنه ولأنه قال ما لا يُسمح بقوله. لوركا في وعي درويش مثالٌ على أن الشاعر لا يُهدِّد السلطة بسلاح بل برؤية وأن القصيدة حين تصيب جوهر الخوف تصبح جريمة. هكذا صار لوركا عنده رمزًا لمصيرٍ شعريٍّ مشترك، لا يحتاج إلى رثاء بل إلى استمرار الصوت.
أدونيس رأى في لوركا ما هو أبعد من السياسة والتاريخ. رآه شاعرًا أعاد القصيدة إلى أصلها الطقوسي، إلى الدم والغناء والموت. كان لوركا في قراءته شاعرًا كسّر الشكل كما كسّر المعنى وجعل من الشعر فعل كشف لا خطابًا عقلانيًا. لذلك بدا قريبًا من الشعر الصوفي ومن ذلك التوتر الدائم بين الفناء والرغبة في المطلق وحيث اللغة لا تشرح بل تُشير.
غير أن الحضور الأشد كثافة للوركا يتجلى في الشعر المغربي حيث لا يُقرأ من الخارج، بل من داخل الذاكرة الأندلسية. محمد بنيس على وجه الخصوص، لم يتعامل مع لوركا بوصفه شاعرًا إسبانيًا يُستعاد، بل بوصفه ابنًا ضائعًا للأندلس كتب بلغتها الجديدة، لكنه ظل مشدودًا إلى جرحها القديم. يتحوّل لوركا في نصوص بنيس إلى علامة على أن الأندلس لم تنتهِ بسقوط غرناطة بل واصلت حياتها في المنفى..
لوركا هنا ليس ذكرى بل دليل. دليل على أن ما طُرد من التاريخ الإسباني بقي حيًّا في الذاكرة المغربية، في الموسيقى وفي الأسماء وفي الحنين الذي لا يطلب عودة، بل اعترافًا.
يظهر لوركا أيضًا عند عبد اللطيف اللعبي بوصفه الشاعر الذي يدفع ثمن الحرية كاملة. اللعبي الذي عرف السجن والمنفى، رأى في اغتيال لوركا لحظة كاشفة، حين تعجز السلطة عن ترويض القصيدة وتلجأ إلى إعدام صاحبها. لكن المفارقة أن الشاعر حين يُقتل لا يصمت بل يتحوّل إلى سؤال دائم. هكذا يصبح لوركا شاهدًا لا ضحية وحاضرًا لا غائبًا.
ما يجمع هؤلاء الشعراء هو أنهم لم يستدعوا لوركا ليزينوا نصوصهم باسمٍ عالمي بل لأنهم وجدوا فيه مرآةً لمخاوفهم وأسئلتهم. رأوا فيه الشاعر الذي فهم مبكرًا أن الغناء ليس بريئًا وأن من يكتب عن الغجر والموريسكيين والنساء والمهمشين يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع السلطة، أيًّا كان اسمها.
لهذا السبب يبدو لوركا مألوفًا في الثقافة المغربية على نحو خاص. ليس لأنه كتب عن الأندلس فقط، بل لأنه كتب من داخل فقدها. ولأن إحساسه بالموسيقى وبالحزن النبيل وبالذاكرة التي تعيش في الجسد، يلتقي مع تراثٍ مغاربيٍّ لم يفصل يومًا بين الشعر والغناء ولا بين الجرح والجمال.
الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.