2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
ولوج كتاب المحامين إلى مهنة المحاماة في ضوء مبدأ الاعتراف بالخبرة المهنية
فوزي السعيدي
مقدمة
يطرح موضوع ولوج كتاب المحامين إلى مهنة المحاماة إشكاليات مركّبة تتداخل فيها اعتبارات قانونية ومهنية واجتماعية. ويزداد هذا النقاش أهمية في ظل اعتماد المشرّع المغربي، ضمن قانون المفوضين القضائيين، مبدأ الاعتراف بالخبرة المهنية كمسار استثنائي للولوج إلى المهنة، كما ورد في المادة 6 منه من قانون المفوضين القضائيين، الذي شكّل انتصارا لهذه الفئة المحرومة والتي تعاني في صمت.
وعليه، يهدف هذا المقال إلى معالجة الإشكالية من خلال محورين متوازنين، وهما محور يؤيد هذا التوجه، ومحور يعارضه، وصولًا إلى تركيب يوازن بين الموقفين.
المحور الأول: مبررات تمكين كتاب المحامين من ولوج مهنة المحاماة
أولًا: الخبرة المهنية كقيمة قانونية معترف بها تشريعيًا
يُفهم من المادة 6 من قانون المفوضين القضائيين أن المشرّع لم يعد ينظر إلى الولوج المهني من زاوية التكوين النظري وحده، بل اعترف بالخبرة المهنية الطويلة كعنصر جوهري لاكتساب الكفاءة ويعد هذا التوجه تجسيدًا لمبدأ العدالة المهنية، إذ يسمح بالترقية داخل نفس الحقل القانوني بناءً على الاستحقاق العملي والأقدمية في الممارسة وبالقياس، فإن كتاب المحامين يراكمون معرفة إجرائية وقانونية من خلال مجموعة من المهام ندكر منها على سبيل المثال لا الحصر :
- إعداد المقالات والمذكرات؛
- تتبع المساطر القضائية؛
- الاطلاع المستمر على القضايا في المكاتب .
وهو عمليا ما يمنحهم تأهيلًا عمليًا لا يمكن إغفاله في تقييم أهليتهم المهنية للولوج بسلاسة نحو المحاماة.
ثانيًا: البعد الاجتماعي والإنصاف المهني مطلب عادل
لا يمكن عزل هذا المطلب عن السياق الاجتماعي، حيث إن فئة واسعة من كتاب المحامين ،نقولها بكل جرأة وصراحة تشتغل لسنوات طويلة دون وضعية قانونية واضحة ، وتفتقر في حالات عديدة إلى الحماية الاجتماعية كما لا تتوفر على أفق مهني للترقية. ومن ثم، فإن فتح مسار ولوج مهني مشروط ينسجم مع مجموعة المبادئ والشعارات منها مبدأ تكافؤ الفرص والحق في الترقي الاجتماعي عبر العمل ككاتب للمحامي ، والبعد الإنساني لتنظيم المهن القانونية.
ثالثًا: دعم التوجه من خلال التجارب المقارنة
تُبرز بعض الأنظمة القانونية المقارنة اعتمادها لآليات بديلة لولوج المهن القانونية، من قبيل
المعادلة المهنية والتكوين التطبيقي بدل الامتحان التقليدي والكلاسيكي واعتماد المسارات المهنية الخاصة لفئات ذات الخبرة الطويلة على سبيل المثال في بعض الولايات الأمريكية كواشنطن يُسمح بولوج المحاماة دون امتحان مهني بل الأعجب حتى دون الحصول على الإجازة في الحقوق فقط بالبكالوريا مع الأقدمية في مكتب محام أو قاضي مع العلم أن أمريكا قلعة للديمقراطية والحقوق المدنية.
ويُستفاد من هذه النماذج أن الاعتراف بالخبرة لا يعني بالضرورة المساس بجودة المهنة، متى كان مؤطرًا بضوابط واضحة.
المحور الثاني: حدود هذا التوجه ومبررات التحفظ عليه
أولًا: خصوصية مهنة المحاماة ومتطلبات الجودة
نحن نعلم كباحثين في حقل القانون أن مهنة المحاماة تتميز بخصائص منها :
مهنة حرة ومستقلة، ومرتبطة بالدفاع والترافع وتحمل مسؤولية تمثيل الغير وأيضا خاضعة لمقتضيات أخلاقية ومهنية. ومن هذا المنطلق، يرى المعارضون أن الخبرة العملية داخل مكتب المحامي لا تُغني عن التكوين الأكاديمي المتخصص، كما أن فتح الولوج دون امتحان موحد قد يخلق تفاوتًا في مستوى الكفاءة، بالإضافة أن هناك فرقًا جوهريًا بين العمل المساعد والعمل المهني المستقل وهي تخوفات مشروعة لكنها ليست مانعة من ولوج المهنة على اعتبار أن المهن القانونية صنعة يجتمع فيها التراكم المهني والفهم والمطالعة والممارسة .
ثانيًا: التخوف من الإخلال بمبدأ المساواة بين المترشحين
يرى اتجاه من داخل هيئات المحامين أنفسهم أن تخصيص مسار استثنائي لفئة معينة قد يمس بمبدأ المساواة في الولوج إلى المهن ويضعف مصداقية امتحان الأهلية، يفتح الباب لمطالب فئات أخرى داخل الحقل القانوني.
ويُعتبر هذا التخوف مشروعًا، خاصة إذا لم يُقيد المسار الاستثنائي بشروط دقيقة وموضوعية.
خاتمة
يتضح من خلال المحورين أن مسألة ولوج كتاب المحامين إلى مهنة المحاماة ليست مسألة ثنائية بين القبول أو الرفض، بل إشكالية تستدعي مقاربة توفيقية.
ففي الوقت الذي يفرض فيه منطق العدالة المهنية والاعتراف بالخبرة إعادة التفكير في شروط الولوج ،وعليه، فإن الحل الأنسب يتمثل في إقرار مسار قانوني خاص، استثنائي ومقيّد، يجمع بين شرط الخبرة المهنية الطويلة والمثبتة وبين تكوين أو امتحان مهني خاص مع رقابة مؤسساتية من هيئات المحامين.
وهو ما يحقق التوازن بين الإنصاف المهني ومتطلبات الممارسة القانونية الرصينة.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.
مقال أكثر من رائع فهذا ان دل على شيئ فإنما يدل على بعد نظركم والمنطق الذي أصبحنا نفتقدها في واقعنا كالنظر في أمور يراها البعض جد صغيرة وإن كان الأمر أكبر بكثير في عيون الدول الأخرى الأكثر ديمقراطية كما جاء في مقالكم