لماذا وإلى أين ؟

خوان غويتيسولو “صدى الأندلس العائد من مراكش”

البجوقي عبدالحميد

في مراكش، لم يكن خوان غويتيسولو يبحث عن الغرابة، بل عن الاستمرار. الساحة، السوق، والحلقة، والكلمة المنطوقة بصوت عالٍ أعادت إليه ما حاولت إسبانيا طمسه، أعادت إليه ذاكرة الجماعة الحيّة.. في ساحة جامع الفنا، لا يسمع خوان صدى الأندلس بوصفه حنيناً رومانسياً، بل باعتباره مهمة مُؤجَّلة، ومساءلة مفتوحة للتاريخ. هناك، حيث لا تُؤرشَف الثقافة بل تُعاش، تشكّلت رؤيته للأدب باعتباره ممارسة شفوية وحدودية، لا مؤسسة مغلقة.

في أعماله، ولا سيما “خوان بلا أرض”، يتحوّل المنفى إلى لغة، وتغدو اللغة أرضاً بلا حدود ولا جمارك. تبدو الهوية الإسبانية لدى خوان حُطاماً من المَرايا المتكسّرة، نتيجة تاريخ قاسٍ حاول بناء ذاته على النقاء والإقصاء. لذلك كان غويتيسولو قاسياً مع إسبانيا التي طردت الموريسكيين ثم أنكرت ما فقدته، معتبراً ذلك الطرد أحد أقدم سوابق «التطهير العرقي» في أوروبا الحديثة، وعنفاً تأسيسياً خلّف جرحاً لم يندمل، وهَوساً مَرَضياً بالنقاء الهوياتي*.

من هنا، لا يمكن، في نظره، بناء حداثة إسبانية حقيقية من دون مُواجهة هذا الماضي المُحرِج، ولا من دون مصالحة جذرية مع الجنوب. يعتبر غويتيسولو أن تاريخ الأدب نفسه يذكّرنا بأن استعادة ماضٍ «أصيل» أو «نقي» لا تؤدي إلاّ إلى التحنيط والعُقم.

الأدب الرَّائد، من خوان رويز ورامون يول وسان خوان دي لا كروث، إلى المتنبي وابن عربي وابن خلدون، لم يولد من جوهر مُغلق، بل من التبادل والتلاقح والنفاذية. في لحظاته الأكثر إشعاعاً، لا يعرف الأدب هوية محلية صافية ولا تقاليد حصرية ـ يقول خوان ـ ، بل يُحقّق التعدّد والاختلاط والتجاوُر الخلّاق، وهو الدرس الذي تعلّمه غويتيسولو في مراكش، وحوّله إلى مشروع أدبي وفكري مفتوح على العالم.

كنت أفكّر في كل هذا وأنا جالس في ساحة جامع الفنا، فيما كان همس المساء يتحوّل ببطء إلى ليل.

لم تكن تلك المرّة الأولى التي أراهُ فيها هناك.

كنت قد زرت خوان في بيته بمراكش من قبل.

والآن، في الساحة، شعرتُ بأن حضوره يعود، كما تعود الأصوات بلا استئذان.

عند الغروب، تتحوّل ساحة جامع الفنا إلى جسد واحد.

أصوات تتلامس، خطوات تتذكّر، كلمات لا تطلب إذناً كي تُسمع.

كنت هناك ـ والشاي ما يزال ساخناً، والليل بدأ يهمس ـ  حين أطلَّ خوان، لا كمن يصل، بل كمن يعود.

جلس إلى جانبي من دون أن يُكَسِّر إيقاع الساحة.

كعادته ،قبل أن يقول شيئاً، أصغى.

بدا لي كأنه كان قد وصل منذ زمن، وأنا لم أنتبه.

هكذا بدأ حوارنا ـ لا أدري إن كان من ذكريات لقاءاتنا أم مُتخيَّلاً ـ

أذنه مُصغية كما عهِدته. يقف كعادته بين انتمائه الجريح وهذا الجنوب الذي يُذَكِّرُه بصدى الأندلس.

قلت له:

— هنا، لا تُقرأ الحكايات، بل تُقال. وإذا لم تُقَل، تضيع.

نظر غويتيسولو إلى دائرة المُستمعين وهي تكبر وتصغر كمدٍّ وجزر.

قال:

— لهذا بقيت هنا.. في كتبي حاولت أن أكسر الصفحة كي يَنفذُ إليها الصوت. علامات لا تتّسع لها تسمية واحدة،  هي هوية من شظايا، مثل هذه الساحة.

قلت له بحدّة:

— في انتمائك الاسباني، الاسم ثقيل.

أجاب:

— ثقيل لأنه طرد ما كان يحافظ على رشاقته، حين طُرد الموريسكيون، لم يرحلوا وحدهم، أخذوا معهم لحن اللغة وخصوبة المعنى، منذ ذلك الحين لا زالت إسبانيا تتكلم … لكنها تتأَتّى وتتلعثم.

رفع الحكواتي في الساحة يده، وانغلقت الدائرة.

سقط الصوت علينا كعباءة.

قلت:

— هنا، لا أحد يسأل من أين تأتي الكلمات.

قال:

— هذا ما حاولت استعادته في كتابي  ” دون خوليان. ” أردتُ تفجير التمثال كي تعود الناس إلى العبور. حاولتُ أن أكون دون خوليان لا خيانةً، بل وفاءً لما حاولت إسبانيا المسيحية مَحوَهُ.

سألته:

— والمنفى؟

ابتسم، كأن المنفى مقطعٌ يعرفه جيداً.

قال:

—  في كتابي “خوان بلا أرض” تعلّم خوان المشي هنا. المنفى يصير بيتاً حين تَكُفّ اللغة عن أن تكون مِلكية خاصة . في هذه الساحة، لا أحد يُدافَع عن الهوية، بل يُشاركها.

تقدّم الليل.

فكّرتُ في الشاعر الذي قُتل لأنه قال الحقيقة.

قلت:

— إسبانيا لم تُصغِ بعد إلى فيديريكو غارثيا لوركا. تخاف من أرواحها المُشاغبة.

قال خوان:

— لوركا فَهِم الجنوب، عرف أن الحزن يغنّي، وإسبانيا قتلته مرتين، بالرصاص، وبالصمت، وهنا بالمقابل تجلس روحً مشاغبة لتُصغي.

ساد صمت كثيف وقصير.

ثم، كأن الساحة استدعته، انبثق الاسم.

قلت:

— وابن عربي، الذي قال “إن قلبي صار قابلاً  لكلِّ صورة والحبُّ ديني وإيماني”

قال:

— ذلك هو المستقبل الذي لا تجرؤ إسبانيا على نطقه. قلب بلا جمارك. علاقة عادلة مع الجنوب، لا تقوم على الهيمنة ولا على الحنين، بل على الحاضر المشترك، والمتوسّط مائدة لا مقبرة.

سألته:

— هل ستعود إسبانيا إلى الإصغاء؟

لم يُجب فوراً.

كانت الساحة تُواصل حديثها.

قال أخيراً:

— ستُصغي حين تفهم أن صداها يأتي من هنا، أن الكلمة التي أنكرتها تعود، وهي لا تطلب اعتذاراً… بل اعترافا..

أغلق الليل الدائرة.

برد الشاي.

واصلت الساحة.

ومن بعيد، بدأت إسبانيا ـ ربما ـ تشحذ سمعها.

وفجأة، تغيّر إيقاع الهمس.

رفعت رأسي أنظر إلى بهو المقهى، الصديق الذي كنت أنتظره وصل، يحيّيني وهو يشق طريقه بين الطاولات.

التفتُّ إلى جزاري،  لم يكن خوان هناك.

كانت الساحة ما تزال الساحة أمامي وجموع الحلقة وضجيجها إلاّ خوان.

وبقي الحوار معلّقاً..

كما تبقى الكلمات الجميلة التي لم تُقَل كاملة، بانتظار أن يُعاد التقاطها.

ملاحظة

وُلِد هذا النص من إلهامٍ جاءني وأنا جالس في ساحة جامع الفنا، خلال إحدى زياراتي الأخيرة إلى مراكش. في ذلك المكان، عادت إليّ ذكرى لقائي الأخير بالكاتب خوان غويتيسولو في المدينة نفسها، قبل سنوات قليلة من رحيله. الحوار الوارد هنا ليس تسجيلاً حرفياً، بل استحضارٌ أدبي — محادثة متخيَّلة، أو ربما متذكَّرة — محاولة للإصغاء من جديد إلى ما ما تزال تلك الأصوات، وتلك الأمكنة، وتلك اللقاءات، تقوله.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x