لماذا وإلى أين ؟

الجزائر تنخرط في الحكم الذاتي للصحراء المغربية

   سعيد الغماز

تميزت الدورة 15 لمجلس الشراكة بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي، بتبني موقف أوروبي موحد للمقترح المغربي الخاص بالحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية. وقد تم تضمين هذا الموقف، الذي تبناه الأعضاء 27 في الاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك وقعه الطرفان.

هذا الموقف الموحد لجميع دول الاتحاد الأوروبي، يضع الجزائر في حرج كبير ويزيد من عزلتها الديبلوماسية. بل أكثر من ذلك، أصبحنا نعيش في واقع إقليمي، تتبنى فيه الدول الاستعمارية السابقة، قرارات تصب في صالح دول المنطقة وتخدم مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي، في الوقت الذي تسير فيه الجزائر في طريق لا يعاكس المصالح المغربية فحسب، بل يهدد حتى المصالح الجزائرية بشكل مباشر.

وإذا قمنا بقلب المعادلة الجزائرية، وطرحنا السؤال التالي: ماذا لو انخرطت الجزائر في الطرح المغربي؟ هذا التساؤل سيجعلنا نصل رأسا إلى حقيقة مفادها أن الدولة جزائرية عدوة لمصالحها قبل عدائها لمصالح جيرانها.

انخراط الجزائر في الطرح المغربي يعني إغلاق نافذة المغرب العربي أمام التدخلات الأجنبية، وهو ما سينتج عنه تعزيز الروابط الداخلية بين جميع مكونات المغرب العربي. هذا يعني أيضا انجلاء غيوم الصراع عن المنطقة، وفتح مجال جديد للتعاون المثمر والشراكات الناجعة.

اعتماد الطرح المغربي سيجعل الجزائر تستفيد من قوة المغرب في الإنتاج الفلاحي، وهو ما سيجنبها شراء المنتوجات الغذائية المغربية من الدول الأوروبية، بطرق ملتوية، وسيجعلها توفير العملة الصعبة. وفي المقابل سيستفيد المغرب من البترول والغاز الجزائري، بدل شرائه من الأسواق الدولية بزيادة كلفة النقل.

كما أن النظام الجزائري سوف لن يبيع الغاز الجزائري للدول الأوروبية بأسعار تفضيلية، لشراء مواقف معادية للمملكة المغربية. هذه الأسعار التفضيلية تحرم الجزائريين من ميزانية ضخمة قد تساهم في تحسين شروط عيشهم وتطوير البنيات التحتية لبلدهم. هذه الأسعار التفضيلية، انكشفت بعد الأزمة الجزائرية مع اسبانيا التي غيرت موقفها لدعم الطرح المغربي سنة 2022. وهي الأزمة التي كشفت الأسعار التفضيلية التي كانت تبيع بها الجزائر الغاز الطبيعي لإسبانيا مقابل موقفها الداعم للأطروحة الانفصالية.

إنه الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، الذي سيجعل الكل رابح سواء المغرب والجزائر، وسيفتح المنطقة على مشاريع كبرى تخدم جميع دول الاتحاد المغاربي.

أضف إلى ذلك تعويض الاستراتيجية العدائية التي تقوم عليها الديبلوماسية الجزائرية، باستراتيجية جديدة قوامها الشراكة والتعاون. وهو الأمر الذي ستستفيد منه الجزائر كثيرا، ويكفي أن نشير في هذا الصدد، إمكانية التعاون مع المغرب في بناء أنبوب الغاز بين نيجيريا وشمال إفريقيا، بدل التنافس الذي يضر بمصالح الدولتين، ويجعلهما في موقع الابتزاز.

إذا كانت هذه هي آفاق الطرح المغربي بخصوص الصحراء، فلماذا لا تُقبِل الجزائر على هذا الطرح، وتُعرِّض نفسها لضغوطات المجتمع الدولي خاصة أمريكا والاتحاد الأوروبي؟

الجواب مرتبط بطبيعة النظام العسكري في الجزائر، الذي بنى شرعيته على العداء للمغرب، بدل شرعية الإنجاز وخدمة المصالح القومية للجزائر. فالترويج لسردية وجود عدو في الحدود الغربية، يجعل النظام الجزائري يبرر للمواطنين صفقات السلاح العبثية التي تستنزف ميزانية الدولة، بدل استثمارها في تحقيق مطالب الشعب الجزائري في الرفاه والعيش الكريم.

لكن الصورة التي اكتشفها الشعب الجزائري في كأس أمم إفريقيا الأخير، والتي جعلته يَطَّلع على البنيات التحتية التي حققها المغرب، والمشاريع الكبرى التي تحققت في بلد لا يملك ثروة الغاز والبترول، وضعت جنيرالات قصر المرادية في مأزق لا يحسد عليه. هذه الصورة التي وصلت الشارع الجزائري، رغم التعتيم الإعلامي، أفشلت سردية النظام الجزائري، الذي أراد من خلالها أن يسوق سردية بلد مغربي فقير ويعاني مشاكل اقتصادية واجتماعية. وهي السردية التي يواجه بها مطالب الجزائريين بتحسين الخدمات الاجتماعية، وتوفير العيش الكريم لجميع المواطنين. سردية يريدها النظام أن تقول بلسانه للشارع الجزائري “إذا كنتم تشتكون من ظروف اجتماعية قاهرة، فانظروا لجاركم لتكتشفوا أنكم أفضل حال منه”.

تحطيم سردية النظام الجزائري بعد بلوغ الصورة الحقيقية للتنمية المغربية، للمواطن الجزائري، والضغوطات الأمريكية والأوروبية، كلها عوامل ستجعل الحكم العسكري يرضخ للأمر الواقع، وينخرط في المقترح المغربي. فلا خيار آخر أمام جنيرالات الجزائر، أمام القوة الدولية التي يتمتع بها المقترح المغربي.

نُذكِّر في الأخير بتصريح سفير الجزائر في الولايات المتحدة صبري بوقادوم، عقب انتخاب ترامب للمرة الثانية حيث قال ” الرئيس ترامب يحب الصفقات والجزائر مستعدة لمنح الولايات المتحدة كل الامتيازات في مناجم المعادن النفيسة بالجزائر”. وأضاف قائلا “لا يوجد سقف لهذه الامتيازات ولهذه الصفقات”.

     الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، سيجعل ثروات الجزائر يبقى في البلاد لخدمة المواطن الجزائري، بدل بيعها من قبل الجنيرالات مقابل معاداة المغرب وعدم الاعتراف بسيادته على أقاليمه الجنوبية.

فحكام قصر المرادية أمام خيار البناء والتنمية أو الاستمرار في استنزاف الثروات الجزائرية.

فهل يُحكِّم النظام الجزائري منطق مصلحة الشعب، ويفتح نافذة التعاون مع دول الجوار، ويحافظ على ثروة الجزائريين؟ أم أنه سيحاول المناورة من جديد وهو ما سيجعله ينخرط تحت الضغوطات في المقترح المغربي، بعد أن يكون قد باع ثروة الجزائريين لترامب وتكون الخسارة مضاعفة؟   

سعيد الغماز-كاتب وباحث

*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x