2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
عبدالصمد اليزيدي
لم تعد بعض الحملات السياسية والإعلامية في ألمانيا تستهدف المسلمين بسبب انعزالهم أو رفضهم الاندماج، بل على العكس، لأنها ترى في المسلم المنخرط والفاعل في مجتمعه تهديدًا لسردياتها الإقصائية. هنا تتجلى بوضوح مفارقة الاندماج: فالاندماج ذاته، حين يكون واثقًا وفاعلًا، يتحوّل إلى سبب للهجوم بدل أن يكون موضع ترحيب، ويصبح المسلم هدفًا لحملات التشويه الإعلامية وحتى السياسية.
حين يتحمّل المسلم مسؤوليته المجتمعية، ويشارك في الشأن العام، ويسهم في بناء بلده وفق القيم الدستورية الألمانية، يتحوّل فجأة إلى هدف للتشويه والاتهام والتحريض، ليس بسبب الخوف من التطرّف، بل خشية نموذج مسلم يندمج دون أن يتخلى عن هويته، ويشارك دون أن يذوب أو يُقصى.
في السياق الألماني، حيث يشكّل الدستور مرجعية قائمة على الكرامة الإنسانية والحرية الدينية والمساواة أمام القانون، تتضح مفارقة الاندماج أكثر من أي وقت مضى. المشاركة السياسية والمدنية يُشجَّع عليها نظريًا، لكنها تُدان عمليًا حين يقوم بها مسلمون مستقلون وواعون وذو تأثير، لأن هذا الحضور يفضح السرديات الجاهزة التي تصوّر المسلمين كجسم غريب أو تهديد دائم للمجتمع.
التيارات المتطرفة والكارهة للإسلام لا تخشى الدين فحسب، بل تخشى المسلم الواعي والحاضر في المجال العام، لأنه يُفشل منطق التخويف المبني على ثنائية “نحن وهم”، ويُظهر أن التديّن الإسلامي لا يتعارض مع الديمقراطية ولا مع قيم الدولة الوطنية.
الحملات التي تُشيطن المسلمين المنخرطين في المجتمع لا تهدف إلى حماية التعددية، بل إلى تفريغها من مضمونها. فهي تسعى إلى فرض نموذج مشروط للاندماج، يُطلب فيه من المسلم أن يكون غير مرئي أو صامتًا أو تابعًا. وحين يرفض هذا الدور، ويصرّ على أن يكون مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، تبدأ محاولات ربطه بخطابات التطرف بلا سند واقعي.
الخطير أن هذا المسار لا يسيء إلى المسلمين وحدهم، بل يضرب في العمق التجربة الألمانية نفسها، التي قامت بعد دروس تاريخية على رفض الإقصاء والعنصرية، وعلى الإيمان بأن التعددية لا تُدار بالخوف بل بالقانون والثقة المتبادلة. استهداف الاندماج الإيجابي هو في جوهره استهداف لفكرة المجتمع المنفتح وتشويه لمعنى المواطنة الشاملة.
يبقى الرهان على وعي المجتمع الألماني ومؤسساته، وقدرة الخطاب العقلاني على التمييز بين النقد المشروع والتحريض، وبين الاختلاف الطبيعي والتجريم الجماعي. ويبقى الرهان أيضًا على المسلمين أنفسهم في الاستمرار في أداء دورهم بثقة ومسؤولية، دون الانجرار إلى منطق الضحية أو ردود الفعل الانفعالية.
المشاركة الواعية ليست خطرًا على ألمانيا، بل ضمانة لمستقبلها. والخطر الحقيقي لا يكمن في التعدد، بل في الخوف من هذا التعدد، حين تتحوّل مفارقة الاندماج إلى أداة لتبرير الحملات الإعلامية والسياسية ضد المسلمين الفاعلين.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.
لقد بنى الغرب متلا شمولية جعل من خلالها النظام الديمقراطي نظاما كونيا قابل لاستعاب كل البشر على اختلاف الوانهم ولغاتهم ومرجعياتهم العقائدية وصمم له مناخا عقلانيا يعتمد على العلمانية كإطار عام للانضباط والسلوك الذي يضع الناس سواسية أمام القانون، لكن المفارقة ان الغرب بدأ يعرف ارتدادا نكوسيا ضد هذه القيم ويتطور بشكل جنوني نحو التطرف الذي يدأ يجلب معه الاحزاب اليمينية والمعادية للمهاجرين الى السلطة وهو ما اصبح يندر باكتساح مراكز السلطة بحكومات بدأت تتراجع بشكل صريح او عبر قوانين على مكتسبات الماضي وعلى قيم الديمقراطية والعيش المشترك وتزرع قيم للعنصرية وطرق مجحفة لاقصاء وتهميش المهاجرين حتى ولو اندمجو واختارو التعايش مع قيم العلمانية وهو ما يندر بحملة اشبه بالحملات الصليبية القديمة ضد المهاجرين.