2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
تتجه الأنظار مجددا نحو ملف الصحراء المغربية مع الكشف عن مسودة لمقترح الحكم الذاتي، الذي يسعى إلى منح سكان الإقليم الجنوبية للمملكة صلاحيات واسعة، حيث يأتي هذا النص في سياق استمرار المفاوضات الدولية حول النزاع، محاولا تقديم حل مستدام يجمع بين المشاركة السياسية للسكان وحفظ وحدة الدولة المغربية.
ويطرح المقترح المغربي، وفق ما نشرته جريدة “Atalayar ” الإسبانية نموذج حكم ذاتي موسع، يتجاوز المقاربات الرمزية السابقة، ويعتمد على مبادئ ديمقراطية وتوزيع واضح للسلطات، مع مراعاة الهوية الثقافية للسكان وارتباط الإقليم بالمؤسسات المركزية، في خطوة استراتيجية لتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولتقديم إطار قابل للتطبيق يلقى قبولا محليا ودوليا على حد سواء.
وتعليقا على ما نشره الموقع الإسباني، قال الباحث المهتم بملف الصحراء، محمد سالم عبد الفتاح، إن مسودة المقترح المغربي للحكم الذاتي، التي نشرها “Atalayar “، تعكس “تحولا نوعيا في تصور تدبير الإقليم”، معتبرا أنها “تتجاوز الطابع الرمزي نحو نقل صلاحيات فعلية ومؤسساتية واسعة”.
وأوضح عبد الفتاح، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن “مسودة المقترح المغربي التي نشرها موقع ‘أطاليار’، تحيل على صلاحيات واسعة تمنحها مبادرة الحكم الذاتي لسكان المنطقة في مشروع الحكم الذاتي الذي يتجاوز مجرد صيغة رمزية إلى منح مسؤوليات حقيقية في مختلف الجوانيدب الادارية، التشريعية والقضائية.”
وأضاف الخبير في الشأن الصحراوي أن “النص المبني على مبادئ ديمقراطية وتوزيع واضح للسلطات يقترح أن يكون لسكان المنطقة صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية حقيقية وملموسة في مجالات مهمة مثل التخطيط الإقليمي وتطوير الاقتصاد والفلاحة والسياحة والبنيات التحتية والتعليم والصحة والبيئة والثقافة، ويشمل ذلك القدرة على سن وتنفيذ قوانين إقليمية في هذه القطاعات.”
وأشار المتحدث ذاته إلى أن المشروع يتضمن آليات تمثيلية تعزز المشاركة السياسية، مبرزا أنه “يتضمن إنشاء برلمان إقليمي منتخب بنظام تمثيلي يتيح مشاركة السكان في اتخاذ القرارات، بالإضافة إلى ضمان مشاركة نواب المنطقة في البرلمان الوطني المغربي لضمان تمثيل مجالي مباشر في القرار المركزي، ما قد يعزز الإحساس بالمشاركة السياسية ويقلص تداعيات الدعاية الانفصالية التي عكفت على عزل السكان عن عمقهم الحضاري والاجتماعي في بقية أقاليم المملكة”.
واعتبر سالم عبد الفتاح أن أهمية هذه الصلاحيات تنبع من بعدها العملي، مؤكدا أن “هذه الصلاحيات الواسعة ستجعل الحكم الذاتي مقبولا لدى السكان لأنه يمنحهم دورا حقيقيا في إدارة حياتهم وشؤونهم المحلية، متجاوزا المقاربات السابقة التي قدمت برامج أقل عمقا في توزيع السلطة.”
وفي السياق ذاته، شدد عبد الفتاح على أن “لا شك أن منح مشاركة فعلية في صنع القرار وتوزيع الموارد يعزز شرعية المقترح المغربي ويجعله أكثر استدامة على المدى الطويل، كونه يتماشى مع مفاهيم الادماج المدني والسياسي للسكان، باعتباره من العوامل التي تؤدي إلى الاستقرار السياسي الداخلي وتكرس السلم الاجتماعي.”
وبخصوص نقاط القوة التي حملها المشروع، أوضح عبد الفتاح أن “أهم نقاط قوة المشروع تكمن في كونه لا يكتفي بمنح السلطات المحلية الحقوق الإدارية والاقتصادية فقط، بل يربط هذا النظام بضمانات دستورية وشرعية سياسية أوسع.”
وأضاف أن من أبرز ما ورد في المسودة “إدراج النص في الدستور المغربي مع آليات حماية قوية للهوية الوطنية وللسيادة، مثل بقاء السلطات السيادية (الدفاع والأمن والسياسة الخارجية والعملة…) في يد الدولة، وحماية ممتلكات ورموز الدولة، وفي نفس الوقت الاعتراف بالهوية الحسانية كمكون ثقافي أصيل في الإطار الوطني.”
وفي ما يتعلق ببعد المصالحة، أبرز عبد الفتاح أن المشروع “يضمن بناء السلام الحقيقي عبر تضمين المشروع آليات لعودة السكان من مخيمات تندوف بصورة منظمة، وللتسوية الأمنية والاجتماعية المعقدة عبر لجان متخصصة ومراحل انتقالية تشمل نزع السلاح والاندماج الاجتماعي.”
ولفت الخبير في الشأن الصحراوي الانتباه إلى الطابع المؤسسي للنموذج المقترح، قائلا إن “نقاط القوة في المشروع كذلك تكمن في الطابع الديمقراطي والمؤسسي لبنيته، بحيث يتضمن إنشاء برلمان إقليمي منتخب، آليات تمثيل نسائي، مؤسسات اقتصادية واجتماعية مستقلة، وتنظيم مالي وإداري يتيح للمنطقة الموارد الخاصة بها ضمن إطار موحد مع الدولة.”
وشدد عبد الفتاح أن “مثل هذا التصميم يستلهم تجارب حكم ذاتي ناجحة في دول أخرى، ما يعزز قابليته للتطبيق إذا تم ملاءمته مع السياق المغربي الخاص.”
وفي المقابل، دعا عبد الفتاح إلى التعامل بحذر مع المعطيات المتداولة، مشيرا إلى أنه “تجدر الإحالة هنا إلى طبيعة المصدر غير الرسمي (موقع Atalayar) ، فرغم موثوقيته، فإن التعاطي مع نص المبادرة يتطلب افراج جهات رسمية عن مضامين المبادرة، لذلك ينبغي الحذر في اعتبار جميع التفاصيل نهائية إلى أن يتم إقرار النص بصورة رسمية ونشره من قبل الدولة المغربية أو الأمم المتحدة أو من خلال وثائق رسمية.”
وأضاف أن “بعض البنود قد لا تكون نهائية أو قد تتغير خلال المفاوضات أو في صياغتها النهائية داخل العملية السياسية القائمة.”
وخلص عبد الفتاح إلى أن “المشروع كما ورد يمتلك مقومات تجعله جذابا ومقبولا لدى السكان ولدى الجهات الدولية الداعمة للعملية السياسية، لأنه يجمع بين توزيع السلطة وتوازنها، الى جانب الشرعية الدستورية والمرجعية الطنية، فضلا عن الأطر المؤسسية الديمقراطية، وهي عناصر أساسية في جعل أي حل سياسي قابل للاستدامة والاستقرار المستقبلي.”
وضمن مقال نشر مساء أمس الأربعاء 11 فبراير الجاري، كشف موقع Atalayar تفاصيل موسعة عن الصيغة الجديدة لخطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لحل نزاع الصحراء، مشيرا إلى أن الوثيقة المحدثة، التي تقع في نحو 40 صفحة، تمثل تحولا نوعيا في المقاربة القانونية والمؤسساتية للملف، وتؤسس لما وصفه بـ”نظام أساسي متكامل” قابل للتنزيل الدستوري.
وبحسب المقال المنشور على الجريدة التي تصدر من مدريد، فإن النص الجديد أعد بتكليف مباشر من الملك محمد السادس، عقب اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 في أكتوبر 2025، والذي اعتبر الحكم الذاتي “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” للتوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع.