2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
من النص إلى البنية الدستورية: هل يدخل مقترح الحكم الذاتي مرحلة “التقنين الأعلى”؟
عائشة ادويهي
في النزاعات الطويلة الأمد، ليست الشعارات هي التي تغير مسار الأحداث، بل الطريقة التي تصاغ بها الحلول. وحين تنتقل الفكرة من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى التنظيم القانوني، نكون عادة أمام لحظة تحول حقيقي.
إذا صحت المعطيات المتداولة حول الوثيقة التقنية الجديدة لمقترح الحكم الذاتي المغربي، فإننا لا نكون أمام مجرد إعادة عرض لمبادرة 2007، بل أمام محاولة واضحة لنقلها من إطار تفاوضي عام إلى صيغة مؤسساتية أكثر ضبطا وتحديدا.
وهذا الفارق ليس شكليا بحتا.
من عرض سياسي إلى معمار مؤسساتي
ولدت مبادرة عام 2007 في سياق تفاوضي حساس، وكان هدفها الرئيسي هو فتح أفق للحل، قائم على الواقعية والتوافق. لم يكن نصا مغلقا، بل إطارا سياسيا يحدد التوجه ويترك التفاصيل لبناء مشترك محتمل.
أما اليوم، فإن الصيغة المتداولة، إذا تم تأكيد محتواها، تبدو أقرب إلى نظام منظم يحدد الاختصاصات، ويرسم حدود المسؤوليات، ويضع آليات للرقابة والتنسيق، ويستحضر حتى مراحل الانتقال والتنفيذ.
نحن هنا أمام انتقال من منطق “اقتراح حل” إلى منطق “تنظيم الحل”
وهو ما يعكس تطورا في المرحلة أكثر مما يعكس تغييرا في الرؤية
ضبط المجال السيادي وتوسيع المجال الجهوي
من أبرز ما يميز الصيغة المتداولة هو اعتمادها توزيعا واضحا للاختصاصات:
مجالات سيادية حصرية للدولة ومجالات جهوية واسعة تشمل التنمية والتخطيط والتعليم والصحة والثقافة وتدبير الموارد.
هذا الوضوح لا يهدف فقط إلى تحديد الصلاحيات، بل أيضا إلى تجنب مناطق الالتباس التي غالبا ما تضعف تجارب الحكم الذاتي في مراحلها الأولى.
وبالمثل، فإن إدراج مبدأ الولاء الدستوري، أي ممارسة السلطات الجهوية في إطار وحدة الدولة وتضامنها، يعكس محاولة التوفيق بين توسيع نطاق التدبير المحلي وضمان الانسجام الوطني.
المعادلة هنا دقيقة: تمكين فعلي، دون ازدواجية السيادة.
من عرض الإمكانية إلى تثبيت القابلية.
لطالما انتقدت مبادرة عام 2007 لعدم تضمينها جميع التفاصيل الفنية. لكن هذه الانتقادات تغفل السياق الذي نشأت فيه.
في تلك المرحلة، اختار المغرب تقديم عرض سياسي مفتوح، يحدد معالم الحل دون تحديد شكله النهائي. كان ذلك علامة على حسن النية في المفاوضات: ترك مجال للمناورة لتحديد التفاصيل في إطار حوار.
فلم يكن عدم وجود التفاصيل نقصا، بل كان هامشا سياسيا مقصودا.
اليوم، لا يعني الانتقال إلى صيغة أكثر تفصيلا تراجعا عن روح المبادرة، بل يعكس الانتقال إلى مرحلة جديدة من النوايا الحسنة نفسها: من عرض الإمكانية إلى تأكيد قابلية التنزيل.
البعد الإنساني: من تسوية سياسية إلى مصالحة انتقالية
غير أن أهم ما يميز هذه المرحلة الجديدة، إذا تأكدت معالمها، أنها لا تقتصر فقط على ضبط الاختصاصات أو تأمين الضمانات الدستورية، بل يمتد أيضا الى إدراج مقاربة انتقالية ذات بعد إنساني واضح.
فالأحكام المتعلقة بمشاركة سكان مخيمات تندوف وتنظيم التسجيل والأهلية، وإنشاء لجنة دائمة مكلفة بتنظيم العودة والتحقق من الهوية، واعتماد مساطر الطعن والمتابعة الموثقة، تعكس إدراكا بأن النزاع لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل واقعا إنسانيا ممتدا عبر أجيال.
والأكثر دلالة هو النص على آلية انتقال تشمل نزع السلاح وإعادة الإدماج، مصحوبة بعفو منظم يستثني الجرائم الدولية. وننتقل هنا من منطق التسوية إلى منطق المصالحة المؤطرة بالقانون.
فالحلول المستدامة لا تبنى فقط على توزيع الصلاحيات بل على إعادة نسج الثقة وضمان الكرامة والأمن وتأمين عودة آمنة ومنظمة لمن يرغب في الاندماج داخل إطار جديد.
وبهذا المعنى، لا يقتصر المقترح، إن صحت معالمه، على إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والجهة، بل يلامس أيضا مسألة إعادة إدماج الإنسان في وطنه، ضمن مسار قانوني يحترم العدالة ويؤسس للاستقرار.
من إدارة النزاع إلى بناء نظام قابل للاستمرار
إذا كانت المعالم التقنية المتداولة دقيقة، فنحن لا نكون أمام استئناف لمبادرة 2007، بل أمام إعادة هندستها في صيغة مؤسساتية متكاملة: توزيع واضح للصلاحيات وحماية دستورية صريحة وآليات للرقابة القضائية، ونظام مالي منضبط، ومسار إدماج دستوري محصن بأغلبيات معززة.
وبهذا المعنى، لم يعد السؤال يتعلق بمبدأ الاستقلالية، بل بكيفية تنظيمها وضمان استقرارها داخل بنية الدولة.
وهنا يكمن معنى التغيير برمته: كانت مبادرة عام 2007 نصا مفتوحا للتفاوض، في حين أن المرحلة الحالية، إذا تم تأكيدها، هي نص يتجه نحو المأسسة.
وهكذا، ينتقل النقاش من السؤال “هل يوجد حل؟” إلى السؤال “كيف ينظم هذا الحل ويؤمن استقراره؟”.
والفارق بين هذين السؤالين هو الفارق بين إدارة نزاع طويل الأمد وبناء نظام يراد له أن يدوم.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.