2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في لحظات التحول السياسي الكبرى، لا تطرح الأسئلة بصيغة مباشرة، بل تتسلل عبر قراءة المؤشرات. ومع اقتراب أفق الاستحقاقات التشريعية المقبلة في المغرب، يتصاعد نقاش سياسي ودستوري حول طبيعة الشخصية التي قد تقود المرحلة التالية: هل تستمر قاعدة الزعامة الحزبية التقليدية، أم تتقدم إلى الواجهة شخصية سيادية راكمت تجربة واسعة في تدبير الملفات الكبرى وحفظ توازنات الاستقرار؟
ضمن هذا السياق، يبرز اسم عبد الوافي لفتيت باعتباره أحد أبرز الفاعلين المؤسساتيين خلال العقد الأخير، بحكم موقعه على رأس وزارة الداخلية، واستمراره في المنصب لولايتين متتاليتين في عهد الملك محمد السادس، في سابقة تعكس مستوى الثقة في أدائه واستمرارية الرهان عليه في ملفات دقيقة وحساسة.
ينص دستور 2011 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية، وهو مقتضى يمنح المسار شرعية انتخابية واضحة. غير أن التجربة السياسية المغربية أظهرت أن تفعيل هذا النص يجري دائما ضمن قراءة أوسع لمعادلات المرحلة، من حيث درجة تماسك الخريطة الحزبية، وقابلية الأغلبية للانسجام، وحجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية المطروحة. وفي حال أفرزت الانتخابات مشهدا مجزأ أو غير قادر على إنتاج قيادة سياسية جامعة، قد يبرز نقاش حول شخصية قادرة على ضمان الاستمرارية داخل إطار يحترم الدستور ويستجيب في الوقت نفسه لمتطلبات الاستقرار.
منذ سنة 2017، لم تكن وزارة الداخلية مجرد جهاز إداري تقليدي، بل شكلت في محطات مفصلية مركز تنسيق وحضور ميداني. فقد لعبت دورا محوريا في تدبير مرحلة جائحة كورونا، سواء من خلال تنزيل إجراءات الطوارئ الصحية أو ضمان استمرارية المرافق الحيوية وتنسيق التدخلات الترابية بما حافظ على انتظام مؤسسات الدولة. كما برز دورها في مواجهة الكوارث الطبيعية، من فيضانات بعدد من المناطق إلى زلزال الحوز، حيث كان الانتشار الميداني والتنسيق الترابي عنصرين حاسمين في احتواء تداعيات الأزمة وتأمين التدخل السريع ومواكبة جهود إعادة الإعمار.
إلى جانب ذلك، أشرفت الوزارة على تنظيم الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة التي اعتبرت، من حيث التنظيم والرقمنة وضبط المساطر، خطوة متقدمة مقارنة بمحطات سابقة، سواء على مستوى تحيين اللوائح الانتخابية أو تأمين المسار الانتخابي أو ضمان سلاسة الانتقال المؤسساتي. وقد ساهم ذلك في تعزيز الثقة في العملية الانتخابية وفي انتظام المسار الديمقراطي.
أما في ما يتعلق بملف الأقاليم الجنوبية، الذي يظل أحد أكثر الملفات حساسية واستراتيجية، فإن دور وزارة الداخلية يتجاوز البعد الإداري إلى تدبير التوازنات القبلية والاجتماعية ومواكبة المشاريع التنموية الكبرى وضمان الاستقرار الترابي. وفي هذا الإطار، ينظر إلى لفتيت كشخصية راكمت معرفة دقيقة بالبنية القبلية الصحراوية، وتمكنت من نسج علاقات ثقة مع عدد من الأعيان والوجهاء داخل الأقاليم الجنوبية وخارجها. وهي ثقة تبنى عبر تراكم ميداني طويل قائم على الإصغاء وضبط التوازنات، في سياق تتقدم فيه دينامية تنزيل مقترح الحكم الذاتي على المستوى الدولي.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، يتجدد النقاش حول مستقبل القيادة التنفيذية بعد عزيز أخنوش، غير أن السؤال لم يعد متعلقا بشخص البديل بقدر ما أصبح مرتبطا بطبيعة المرحلة المقبلة نفسها. فالمشهد الحزبي يواجه تحديات تتعلق بتراجع الثقة الشعبية وصعوبة بروز شخصية جامعة تحظى بإجماع واسع. وإذا أفرزت الانتخابات خريطة سياسية متقاربة أو مشتتة، فقد يجد الفاعلون أنفسهم أمام ضرورة البحث عن شخصية قادرة على جمع دعم برلماني متماسك وضمان استقرار التحالفات.
في هذا السياق، قد ينظر إلى لفتيت باعتباره شخصية تتوفر على عناصر قوة متعددة: خبرة طويلة في تدبير الملفات الحساسة، قدرة على إدارة التوازنات بين الفاعلين، شبكة علاقات مؤسساتية وترابية ممتدة، ومعرفة دقيقة بالتحولات الاجتماعية، خصوصا في الأقاليم الجنوبية حيث تتقاطع الاعتبارات القبلية بالتنموية والسياسية.
المرحلة المقبلة مرشحة لأن تكون مرحلة تثبيت للمكتسبات الكبرى، ومواكبة لأوراش استراتيجية، وتنزيل لآليات الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز للحضور الدولي للمغرب في ملفات دقيقة. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا: هل تحتاج البلاد إلى زعامة حزبية صرفة، أم إلى شخصية ذات خبرة عميقة في إدارة التوازنات الوطنية وقادرة على تحويل الاستقرار إلى رافعة للإصلاح؟
في نهاية المطاف، تبقى الكلمة الفصل لصناديق الاقتراع ولمقتضيات الدستور. غير أن النقاش القائم اليوم يعكس تحولا في زاوية النظر: من سؤال الأشخاص إلى سؤال النموذج، ومن البحث عن إسم إلى البحث عن صيغة قيادة تنسجم مع رهانات مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب السياسي المعاصر.
ما هذا السيناريو الذي يطرح في الوقت الحالي ؟ لماذا يطرح الان، وهو مناقض للدستور ؟؟ نجري انتخابات ، حرة و نزيهة، ولو ان بعض قوانينها قد لا تضمن الشفافية و النزاهة، ثم نرى الحزب المتصدر و يعين جلالة الملك رءيس الحكومة ، ولكل مقام مقال …..نتمنى ان لا نصطدم بعزوف كبير، و خاصة من جيل Z..