2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة.. حكاية بابلو إسكوبار، حميدو الديب والضابط الطنجاوي
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمته بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم حلقة اليوم:
في مقاهي طنجة القديمة، وبين أحاديث البحر والتهريب والسياسة، تتكرر حكاية تكاد تبدو حقيقة راسخة: بابلو إسكوبار، زعيم كارتيل ميديلين، زار المدينة في أوج سطوته، والتقى بواحد من أشهر تجار المخدرات المغاربة، أحمد بونقوب المعروف بـ“حميدو الديب”. بعض الروايات تذهب أبعد من ذلك، فتتحدث عن اجتماعات في فيلات فاخرة بمرشان، وعن صفقات عابرة للقارات نسجت خيوطها بين جبال الأنديز وسواحل البوغاز.
لكن عندما نضع هذه الحكاية تحت مجهر البحث، تتبدد الكثير من تفاصيلها. فالمصادر التي تم الرجوع إليها وشهادات مقربين من تلك المرحلة، لا تقدم دليلاً موثقاً على أن Pablo Emilio Escobar Gaviria زار طنجة فعلاً، أو أنه التقى بشكل مباشر بـ“حميدو الديب”. الأسطورة موجودة، نعم. لكنها تبقى أسطورة بلا وثيقة حاسمة.

ورغم ذلك، فإن انتشار هذه الرواية لم يكن عبثاً. ففي تسعينيات القرن الماضي، كان حميدو الديب اسماً ثقيلاً في عالم التهريب. رجل بنفوذ واسع، وثروة كبيرة، وحضور قوي في أحياء المدينة. غير أن صورته في المخيال الشعبي لم تكن صورة “بارون” فقط، بل صورة رجل كريم، يساعد المحتاجين ويُغدق على من حوله. هذا التناقض بين سطوة المال ودفء الكرم هو ما غذّى الأسطورة، وجعل أي اسم عالمي يُربط به يبدو قابلاً للتصديق.
غير أن الحقيقة الأكثر إثارة لا تكمن في لقاءٍ لم يثبت، بل في خيط آخر، أقل صخباً وأكثر عمقاً، يربط إسكوبار بالمغرب… عبر ضابط وُلد في طنجة نفسها.
الطنجاوي وحرب إسكوبار في المغرب
اسم الضابط هو José Manuel Caamaño. وُلد في طنجة سنة 1954، في مدينة كانت آنذاك فضاءً مفتوحاً للغات والاستخبارات والتهريب. كبر بين الإسبانية والعربية، بين أزقة المدينة القديمة ومينائها، قبل أن يلتحق مبكراً بالشرطة الوطنية الإسبانية. بعد سنوات، عاد إلى المغرب بصفة ضابط ارتباط سري، مهمته تتبع شبكات المخدرات التي بدأت تربط سواحل الأطلسي بالمتوسط.
في مطلع التسعينيات، كانت طنجة والدار البيضاء نقطتين محوريتين في خريطة غير مرئية للكوكايين. الغاليسيون يجلبون خبرتهم البحرية، ووسطاء مغاربة يوفرون الأرض والاتصالات، وأمراء موانئ يفتحون ويغلقون الأبواب. في هذا السياق، ظهر اسم Cartel de Medellín، ومعه اسم إسكوبار، الذي كان يبحث عن منصات آمنة لتخزين أطنان الكوكايين قبل شحنها تدريجياً إلى إسبانيا وفرنسا.

في سبتمبر 1992، جرت لقاءات سرية في فيلا فاخرة جنوب الدار البيضاء حكى الضابط الطنجاوي تفاصيلها لاحقاً. جلس كاماينيو وسط رجال مغاربة وإسبان، قبل أن يدخل رجل قصير القامة، هادئ الملامح، عُرّف باسم “دون إميليو”. لم يكن الأمر بحاجة إلى كثير من الحدس: الرجل هو إسكوبار نفسه.
كان الخلاف يدور حول “إتاوة ثانية” يطالب بها وسطاء مغاربة مقابل إخراج البضاعة بعد تخزينها. بالنسبة لإسكوبار، كان ذلك ابتزازاً. وتشير الرواية إلى أنه لوّح بسلاحه مهدداً. في تلك اللحظة المشحونة، كان أي قرار خاطئ كفيلاً بتحويل المغرب إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين شبكات مسلحة عابرة للقارات، فقال إسكوبار إنه سينقل الأسلحة عبر الطائرات وسيقتنيها من وسطاء محليين وسيقوم باقتطاع طريق لبضاعته داخل المغرب بالدم والسلاح.

هنا تدخل الضابط الطنجي. لم يرفع صوته، ولم يهدد، بل تحدث بلغة الأرقام والمصالح. شرح لإسكوبار أن إطلاق النار في المغرب لن يشبه ما اعتاده في كولومبيا، وأن أي صدام سيستدعي تدخل وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية والأجهزة الأوروبية وأن استعمال السلاح في المغرب دون إثارة الانتباه أمر مستحيل. قال له إن البلد ليس فراغاً، وإن “العيون” كثيرة، وإن تحويله إلى مخزن للكوكايين بقوة السلاح سيجعل الضغط الدولي هائلاً.
ثم قدّم البدائل: موريتانيا، غينيا، ناميبيا… أما المغرب فمكلف، محفوف بالمخاطر، وصعب الاختراق. كانت تلك لحظة مفصلية. لم يكن الأمر مجرد نقاش تجاري، بل قرار قد يرسم مسار منطقة كاملة.
تُظهر رواية كاماينيو أن إسكوبار اقتنع في النهاية بعدم الدفع نحو مواجهة مباشرة داخل المغرب. بل إنه عرض عليه أن يصبح مستشاره، تقديراً لقدرته على “حل المشكلات”. الضابط وعده بالتفكير، بينما كان يوثق كل التفاصيل في تقارير سرية تُودع في القنصلية الإسبانية بطنجة.
هكذا، لم تتحول البلاد إلى قاعدة خلفية رسمية للكارتيل، ولم تندلع حرب مخدرات على أراضيها، حرب كانت ستمتد شرارتها لامحال لإسبانيا أيضاً.

إسكوبار وطنجة بين الأسطورة والحقيقة
في المقابل، ظل حميدو الديب يعيش في الظل، بعيداً عن أي توثيق رسمي يربطه بلقاء مباشر مع إسكوبار. بقي اسمه جزءاً من ذاكرة مدينة تعشق الحكايات الكبيرة.
القصة، في جوهرها، ليست عن صورة التُقطت في مرشان، ولا عن فيلا قيل إنها استضافت زعيم الكارتيل. إنها عن لحظة توتر في فيلا بالدار البيضاء، وعن ضابط طنجاوي فهم أن كلمة في الوقت المناسب قد تكون أقوى من رصاصة.
بين الأسطورة التي لم تثبت، والحقيقة التي وثّقتها تقارير سرية، يبقى الرابط الحقيقي بين إسكوبار وطنجة اسماً واحداً: رجل وُلد في المدينة، وعاد إليها من موقع مختلف، ليمنع أن تتحول إلى ساحة مواجهة في حرب الكوكايين العالمية.