لماذا وإلى أين ؟

عائلات المغرب: آل الفاسي؛ حين تتحول السياسة إلى شجرة نسب (1)

في المغرب، قد تختلف البرامج وتتصارع الأحزاب، لكن الألقاب العائلية تظل ثابتة في أعلى هرم السلطة.
في الحلقة الأولى من سلسلة “العائلات الكبرى”، التي سنحاول نشرها طيلة رمضان الجاري، نقترب من عائلة “الفاسي”، واحدة من أعرق السلالات التي نسجت خيوطها داخل الدولة والحزب والإدارة، حتى صار اسمها مرادفا للاستمرارية داخل دوائر القرار.

علي بنحدو، في كتابه “المغرب: نخب المملكة”، الصادر سنة 2003، يذهب بعيدا حين يكتب: “من بين 339 رجلا من رجال السلطة تتراوح أعمارهم بين 30 و70 سنة ويمثلون 50 من أغنى العائلات في المغرب، 17 في المائة متزوجون من بنات عمومتهم، و69 في المائة أبرموا زواجا داخل نفس الوسط الاجتماعي، وهو شكل مقنع من الزواج الداخلي”.

الأرقام هنا ليست تفصيلاً تقنيا، بل إنها مدخل لفهم كيف تشتغل السلطة.

معلوم أن حزب الاستقلال هو واحد من أقدم الأحزاب المغربية، وأن عائلة الفاسي تكاد تكون عموده الفقري التاريخي، فالزعيم التاريخ هو علال الفاسي، كما ترأسه عباس الفاسي الذي قاد حكومة 2007.. والآن زعيمه هو زوج ابنة عباس الفاسي، نزار بركة.

ومن نفس العائلة نجد منير الشرايبي، زوج ابنة عباس، والذي تولى إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والطيب الفاسي الفهري الذي شغل حقيبة الخارجية، بينما قاد شقيقه علي الفاسي الفهري المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.

بالعودة إلى أشهر أفراد العائلة نجد المرأة الوحيدة التي وقعت على وثيقة المطالبة بالاستقلال، مليكة الفاسي، ووزيرة الصاحة السابقة ياسمينة بادو، زوجة علي الفاسي الفهري، وأسماء أخرى لا يتسع المجال لذكرها كلها.

حتى المصاهرات عززت هذا التشابك، من خلال ارتباطات مع شخصيات سياسية أخرى داخل الحزب نفسه.

وجدير بالذكر أن عائلة الفاسي ليست ابنة مرحلة الاستقلال فقط، لكن تاريخها يعود إلى القرن السابع عشر، حين برزت ضمن أرستقراطية علمية وفكرية اعتمدت عليها الملكية في تثبيت أركان الحكم.

ومنذ ذلك الوقت، ظلت العائلة تتقن فن التكيف: تبدل السياقات، تتغير التحالفات، لكن الحضور يبقى.

في هذا المعنى، تبدو العائلة وكأنها مؤسسة موازية، هي ليست حزبا بالمعنى القانوني، لكنها تشتغل كتنظيم طويل النفس، يستثمر في التعليم، في المصاهرة، في المواقع الحساسة.

ومن خلال كتابه، يعتبر علي بنحدو، ضمن دراسة السوسيولوجية والسياسية، أن التحالفات العائلية تظل “استثمارات متعددة وطويلة الأمد”، وأن القبائل التي تحولت إلى ائتلافات مصالح تتصرف كفصائل سياسية أو اقتصادية.

في زمن المخزن التقليدي، كانت السلطة تعتمد على الأسر المتعلمة والموالية لضمان الاستمرارية، حيث خلطت تلك الأسر بين تاريخها العائلي وتاريخ الدولة، حتى بدا الأمر وكأنهما وجهان لعملة واحدة.

اليوم، ورغم شعارات الحداثة والتقدم، يؤكد علي بنحدو أن “الاعتقاد بوجود تعددية حقيقية في طرق الوصول إلى السلطة وهمٌ محض. فعند النظر إلى من يديرون الشأن العام، نجد أن الأمر ينحصر في أقلية من العائلات الفاعلة”، وعائلة الفاسي واحدة منها بالتأكيد.

وفي الحلقة المقبلة، نقترب من عائلة أخرى، لنسأل السؤال نفسه:
هل السلطة في المغرب صندوق اقتراع… أم شجرة نسب؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x